المشاركات الأخيرة





+ Ouvrir une nouvelle discussion
Page 1 sur 3 123 DernièreDernière
Affichage des résultats 1 à 10 sur 24

Discussion: قصص الانبياء من سيدنا ادم *تى سيدنا م*مد صلى الله عليه وسلم

  1. #1
    Date d'inscription
    mars 2011
    Localisation
    مصر
    Messages
    2 800
    Pouvoir de réputation
    9


    قصص الانبياء من سيدنا ادم *تى سيدنا م*مد صلى الله عليه وسلم









    قصص الانبياء من سيدنا ادم *تى سيدنا م*مد صلى الله عليه وسلم




    والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين سيدنا م*مد وعلى اله وص*به اجمعين
    السلام عليكم اخواني واخواتي
    من هنا سوف يكون لنا لقاء
    مع صف*ات مضيئة مع قصص الانبياء عليهم السلام


    7
    7
    7
    7

    --------

    آدم عليه السلام

    أبو البشر، خلقه الله بيده وأسجد له الملائكة وعلمه الأسماء وخلق له زوجته وأسكنهما الجنة وأنذرهما أن لا يقربا شجرة معينة ولكن الشيطان وسوس لهما فأكلا منها فأنزلهما الله إلى الأرض ومكن لهما سبل العيش بها وطالبهما بعبادة الله و*ده و*ض الناس على ذلك، وجعله خليفته في الأرض، وهو رسول الله إلى أبنائه وهو أول الأنبياء.

    خلق آدم عليه السلام:

    أخبر الله سب*انه وتعالى ملائكة بأنه سيخلق بشرا خليفة له في الأرض. فقال الملائكة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَ*ْنُ نُسَبِّ*ُ بِ*َمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ).

    ويو*ي قول الملائكة هذا بأنه كان لديهم تجارب سابقة في الأرض , أو إلهام وبصيرة , يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق , ما يجعلهم يتوقعون أنه سيفسد في الأرض , وأنه سيسفك الدماء . . ثم هم - بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق - يرون التسبي* ب*مد الله والتقديس له , هو و*ده الغاية للوجود . . وهو مت*قق بوجودهم هم , يسب*ون ب*مد الله ويقدسون له, ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته !

    هذه ال*يرة والدهشة التي ثارت في نفوس الملائكة بعد معرفة خبر خلق آدم.. أمر جائز على الملائكة، ولا ينقص من أقدارهم شيئا، لأنهم، رغم قربهم من الله، وعبادتهم له، وتكريمه لهم، لا يزيدون على كونهم عبيدا لله، لا يشتركون معه في علمه، ولا يعرفون *كمته الخافية، ولا يعلمون الغيب . لقد خفيت عليهم *كمة الله تعالى , في بناء هذه الأرض وعمارتها , وفي تنمية ال*ياة , وفي ت*قيق إرادة الخالق في تطويرها وترقيتها وتعديلها , على يد خليفة الله في أرضه . هذا الذي قد يفسد أ*يانا , وقد يسفك الدماء أ*يانا . عندئذ جاءهم القرار من العليم بكل شيء , والخبير بمصائر الأمور: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

    وما ندري ن*ن كيف قال الله أو كيف يقول للملائكة . وما ندري كذلك كيف يتلقى الملائكة عن الله ، فلا نعلم عنهم سوى ما بلغنا من صفاتهم في كتاب الله . ولا *اجة بنا إلى الخوض في شيء من هذا الذي لا طائل وراء الخوض فيه . إنما نمضي إلى مغزى القصة ودلالتها كما يقصها القرآن .

    أدركت الملائكة أن الله سيجعل في الأرض خليفة.. وأصدر الله سب*انه وتعالى أمره إليهم تفصيلا، فقال إنه سيخلق بشرا من طين، فإذا سواه ونفخ فيه من رو*ه فيجب على الملائكة أن تسجد له، والمفهوم أن هذا سجود تكريم لا سجود عبادة، لأن سجود العبادة لا يكون إلا لله و*ده.

    جمع الله سب*انه وتعالى قبضة من تراب الأرض، فيها الأبيض والأسود والأصفر والأ*مر - ولهذا يجيء الناس ألوانا مختلفة - ومزج الله تعالى التراب بالماء فصار صلصالا من *مأ مسنون. تعفن الطين وانبعثت له رائ*ة.. وكان إبليس يمر عليه فيعجب أي شيء يصير هذا الطين؟

    سجود الملائكة لآدم:

    من هذا الصلصال خلق الله تعالى آدم .. سواه بيديه سب*انه ، ونفخ فيه من رو*ه سب*انه .. فت*رك جسد آدم ودبت فيه ال*ياة.. فت* آدم عينيه فرأى الملائكة كلهم ساجدين له .. ما عدا إبليس الذي كان يقف مع الملائكة، ولكنه لم يكن منهم، لم يسجد .. فهل كان إبليس من الملائكة ? الظاهر أنه لا . لأنه لو كان من الملائكة ما عصى . فالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . . وسيجيء أنه خلق من نار . والمأثور أن الملائكة خلق من نور . . ولكنه كان مع الملائكة وكان مأموراً بالسجود .

    أما كيف كان السجود ? وأين ? ومتى ? كل ذلك في علم الغيب عند الله . ومعرفته لا تزيد في مغزى القصة شيئاً..

    فوبّخ الله سب*انه وتعالى إبليس: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ) . فردّ بمنطق يملأه ال*سد: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) . هنا صدر الأمر الإلهي العالي بطرد هذا المخلوق المتمرد القبي*: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) وإنزال اللعنة عليه إلى يوم الدين. ولا نعلم ما المقصود بقوله سب*انه (مِنْهَا) فهل هي الجنة ? أم هل هي ر*مة الله . . هذا وذلك جائز . ولا م*ل للجدل الكثير . فإنما هو الطرد واللعنة والغضب جزاء التمرد والتجرؤ على أمر الله الكريم .

    قَالَ فَالْ*َقُّ وَالْ*َقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85) (ص)

    هنا ت*ول ال*سد إلى *قد . وإلى تصميم على الانتقام في نفس إبليس: (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) . واقتضت مشيئة الله لل*كمة المقدرة في علمه أن يجيبه إلى ما طلب , وأن يمن*ه الفرصة التي أراد. فكشف الشيطان عن هدفه الذي ينفق فيه *قده: (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) ويستدرك فيقول: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) فليس للشيطان أي سلطان على عباد الله المؤمنين .

    وبهذا ت*دد منهجه وت*دد طريقه . إنه يقسم بعزة الله ليغوين جميع الآدميين . لا يستثني إلا من ليس له عليهم سلطان . لا تطوعاً منه ولكن عجزاً عن بلوغ غايته فيهم ! وبهذا يكشف عن ال*اجز بينه وبين الناجين من غوايته وكيده ; والعاصم الذي ي*ول بينهم وبينه . إنه عبادة الله التي تخلصهم لله . هذا هو طوق النجاة . و*بل ال*ياة ! . . وكان هذا وفق إرادة الله وتقديره في الردى والنجاة . فأعلن - سب*انه - إرادته . و*دد المنهج والطريق: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) .

    فهي المعركة إذن بين الشيطان وأبناء آدم , يخوضونها على علم . والعاقبة مكشوفة لهم في وعد الله الصادق الواض* المبين . وعليهم تبعة ما يختارون لأنفسهم بعد هذا البيان . وقد شاءت ر*مة الله ألا يدعهم جاهلين ولا غافلين . فأرسل إليهم المنذرين .
    -----------
    هابيل وقابيل:

    يذكر لنا المولى عزّ وجلّ في كتابه الكريم الكثير عن *ياة آدم عليه السلام في الأرض. لكن القرآن الكريم يروي قصة ابنين من أبناء آدم هما هابيل وقابيل. *ين وقعت أول جريمة قتل في الأرض. وكانت قصتهما كالتالي.
    كانت *واء تلد في البطن الوا*د ابنا وبنتا. وفي البطن التالي ابنا وبنتا. في*ل زواج ابن البطن الأول من البطن الثاني.. ويقال أن قابيل كان يريد زوجة هابيل لنفسه.. فأمرهما آدم أن يقدما قربانا، فقدم كل وا*د منهما قربانا، فتقبل الله من هابيل ولم يتقبل من قابيل. قال تعالى في سورة (المائدة):
    وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْ*َقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَ*َدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَإِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) (المائدة)
    لا*ظ كيف ينقل إلينا الله تعالى كلمات القتيل الشهيد، ويتجاهل تماما كلمات القاتل. عاد القاتل يرفع يده مهددا.. قال القتيل في هدوء:
    إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْ*َابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (29) (المائدة)
    انتهى ال*وار بينهما وانصرف الشرير وترك الطيب مؤقتا. بعد أيام.. كان الأخ الطيب نائما وسط غابة مشجرة.. فقام إليه أخوه قابيل فقتله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل". جلس القاتل أمام شقيقه الملقى على الأرض. كان هذا الأخ القتيل أول إنسان يموت على الأرض.. ولم يكن دفن الموتى شيئا قد عرف بعد. و*مل الأخ جثة شقيقه ورا* يمشي بها.. ثم رأى القاتل غرابا *يا بجانب جثة غراب ميت. وضع الغراب ال*ي الغراب الميت على الأرض وساوى أجن*ته إلى جواره وبدأ ي*فر الأرض بمنقاره ووضعه برفق في القبر وعاد يهيل عليه التراب.. بعدها طار في الجو وهو يصرخ.
    اندلع *زن قابيل على أخيه هابيل كالنار فأ*رقه الندم. اكتشف أنه وهو الأسوأ والأضعف، قد قتل الأفضل والأقوى. نقص أبناء آدم وا*دا. وكسب الشيطان وا*دا من أبناء آدم. واهتز جسد القاتل ببكاء عنيف ثم أنشب أظافره في الأرض ورا* ي*فر قبر شقيقه.
    قال آدم *ين عرف القصة: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ) و*زن *زنا شديدا على خسارته في ولديه. مات أ*دهما، وكسب الشيطان الثاني. صلى آدم على ابنه، وعاد إلى *ياته على الأرض: إنسانا يعمل ويشقى ليصنع خبزه. ونبيا يعظ أبنائه وأ*فاده وي*دثهم عن الله ويدعوهم إليه، وي*كي لهم عن إبليس وي*ذرهم منه. ويروي لهم قصته هو نفسه معه، ويقص لهم قصته مع ابنه الذي دفعه لقتل شقيقه.


    موت آدم عليه السلام:


    وكبر آدم. ومرت سنوات وسنوات.. وعن فراش موته، يروي أبي بن كعب، فقال: إن آدم لما *ضره الموت قال لبنيه: أي بني، إني أشتهي من ثمار الجنة. قال: فذهبوا يطلبون له، فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه و*نوطه، ومعهم الفؤوس والمسا*ي والمكاتل، فقالوا لهم: يا بني آدم ما تريدون وما تطلبون؟ أو ما تريدون وأين تطلبون؟ قالوا: أبونا مريض واشتهى من ثمار الجنة، فقالوا لهم: ارجعوا فقد قضي أبوكم. فجاءوا فلما رأتهم *واء عرفتهم فلاذت بآدم، فقال: إليك عني فإني إنما أتيت من قبلك، فخلي بيني وبين ملائكة ربي عز وجل. فقبضوه وغسلوه وكفنوه و*نطوه، و*فروا له ول*دوه وصلوا عليه ثم أدخلوه قبره فوضعوه في قبره، ثم *ثوا عليه، ثم قالوا: يا بني آدم هذه سنتكم.
    وفي موته يروي الترمذي: *دثنا عبد بن *ميد، *دثنا أبو نعيم، *دثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صال*، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لما خلق الله آدم مس* ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: أي رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلاً فأعجبه وبيص ما بين عينيه، فقال: أي رب من هذا؟ قال هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود، قال: رب وكم جعلت عمره؟ قال ستين سنة، قال: أي رب زده من عمري أربعين سنة. فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت، قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال فج*د فج*دت ذريته، ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطىء آدم فخطئت ذريته".

    ---------
    شيث بن ادم عليه السلام


    سيرته:

    لما مات آدم عليه السلام قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث عليه السلام وكان نبياً.
    لما مات آدم عليه السلام قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث عليه السلام وكان نبياً. ومعنى شيث: هبة الله، وسمياه بذلك لأنهما رزقاه بعد أن قُتِلَ هابيل. فلما *انت وفاته أوصى إلى أبنه أنوش فقام بالأمر بعده، ثم بعده ولده قينن ثم من بعده ابنه مهلاييل - وهو الذي يزعم الأعاجم من الفرس أنه ملك الأقاليم السبعة، وأنه أول من قطع الأشجار، وبنى المدائن وال*صون الكبار، وأنه هو الذي بنى مدينة بابل ومدينة السوس الأقصى وأنه قهر إبليس وجنوده وشردهم عن الأرض إلى أطرافها وشعاب جبالها وأنه قتل خلقاً من مردة الجن والغيلان، وكان له تاج عظيم، وكان يخطب الناس ودامت دولته أربعين سنة.

    فلما مات قام بالأمر بعده ولده يرد فلما *ضرته الوفاة أوصى إلى ولده خنوخ، وهو إدريس عليه السلام على المشهور.

    --------------
    إدريس عليه السلام

    نبذة:

    كان صديقا نبيا ومن الصابرين، أول نبي بعث في الأرض بعد آدم، وهو أبو جد نو*، أنزلت عليه ثلاثون ص*يفة، ودعا إلى و*دانية الله وآمن به ألف إنسان، وهو أول من خط بالقلم وأول من خاط الثياب ولبسها، وأول من نظر في علم النجوم وسيرها

    سيرته:
    إدريس عليه السلام هو أ*د الرسل الكرام الذين أخبر الله تعالى عنهم في كتابة العزيز، وذكره في بضعة مواطن من سور القرآن، وهو ممن يجب الإيمان بهم تفصيلاً أي يجب اعتقاد نبوته ورسالته على سبيل القطع والجزم لأن القرآن قد ذكره باسمه و*دث عن شخصه فوصفه بالنبوة والصديقية.

    نسبه:

    هو إدريس بن يارد بن مهلائيل وينتهي نسبه إلى شيث بن آدم عليه السلام واسمه عند العبرانيين (خنوخ) وفي الترجمة العربية (أخنوخ) وهو من أجداد نو* عليه السلام. وهو أول بني آدم أعطي النبوة بعد (آدم) و (شيث) عليهما السلام، وذكر ابن إس*اق أنه أول من خط بالقلم، وقد أدرك من *ياة آدم عليه السلام 308 سنوات لأن آدم عمر طويلاً زهاء 1000 ألف سنة.

    *ياته:
    وقد أختلف العلماء في مولده ونشأته، فقال بعضهم إن إدريس ولد ببابل، وقال آخرون إنه ولد بمصر والص*ي* الأول، وقد أخذ في أول عمره بعلم شيث بن آدم، ولما كبر آتاه الله النبوة فنهي المفسدين من بني آدم عن مخالفتهم شريعة (آدم) و (شيث) فأطاعه نفر قليل، وخالفه جمع خفير، فنوى الر*لة عنهم وأمر من أطاعه منهم بذلك فثقل عليهم الر*يل عن أوطانهم فقالوا له، وأين نجد إذا ر*لنا مثل (بابل) فقال إذا هاجرنا رزقنا الله غيره، فخرج وخرجوا *تى وصلوا إلى أرض مصر فرأوا النيل فوقف على النيل وسب* الله، وأقام إدريس ومن معه بمصر يدعو الناس إلى الله وإلى مكارم الأخلاق. وكانت له مواعظ وآداب فقد دعا إلى دين الله، وإلى عبادة الخالق جل وعلا، وتخليص النفوس من العذاب في الآخرة، بالعمل الصال* في الدنيا و*ض على الزهد في هذه الدنيا الفانية الزائلة، وأمرهم بالصلاة والصيام والزكاة وغلظ عليهم في الطهارة من الجنابة، و*رم المسكر من كل شي من المشروبات وشدد فيه أعظم تشديد وقيل إنه كان في زمانه 72 لساناً يتكلم الناس بها وقد علمه الله تعالى منطقهم جميعاً ليعلم كل فرقة منهم بلسانهم. وهو أول من علم السياسة المدنية، ورسم لقومه قواعد تمدين المدن، فبنت كل فرقة من الأمم مدناً في أرضها وأنشئت في زمانه 188 مدينة وقد اشتهر بال*كمة فمن *كمة قوله (خير الدنيا *سرة، وشرها ندم) وقوله (السعيد من نظر إلى نفسه وشفاعته عند ربه أعماله الصال*ة) وقوله (الصبر مع الإيمان يورث الظفر).

    وفاته:
    وقد أُخْتُلِفَ في موته.. فعن ابن وهب، عن جرير بن *ازم، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف قال: سأل ابن عباس كعباً وأنا *اضر فقال له: ما قول الله تعالى لإدريس {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}؟ فقال كعب: أما إدريس فإن الله أو*ى إليه: أني أرفع لك كل يوم مثل جميع عمل بني آدم - لعله من أهل زمانه - فأ*ب أن يزداد عملاً، فأتاه خليل له من الملائكة، فقال "له": إن الله أو*ى إلي كذا وكذا فكلم ملك الموت *تى ازداد عملاً، ف*مله بين جنا*يه ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت من*دراً، فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس، فقال: وأين إدريس؟ قال هو ذا على ظهري، فقال ملك الموت: يا للعجب! بعثت وقيل لي اقبض رو* إدريس في السماء الرابعة، فجعلت أقول: كيف أقبض رو*ه في السماء الرابعة وهو في الأرض؟! فقبض رو*ه هناك. فذلك قول الله عز وجل {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً}. ورواه ابن أبي *اتم عند تفسيرها. وعنده فقال لذلك الملك سل لي ملك الموت كم بقي من عمري؟ فسأله وهو معه: كم بقي من عمره؟ فقال: لا أدري *تى أنظر، فنظر فقال إنك لتسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين، فنظر الملك إلى ت*ت جنا*ه إلى إدريس فإذا هو قد قبض وهو لا يشعر. وهذا من الإسرائيليات، وفي بعضه نكارة.

    وقول ابن أبي نجي* عن مجاهد في قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قال: إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى. إن أراد أنه لم يمت إلى الآن ففي هذا نظر، وإن أراد أنه رفع *ياً إلى السماء ثم قبض هناك. فلا ينافي ما تقدم عن كعب الأ*بار. والله أعلم.

    وقال العوفي عن ابن عباس في قوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} : رفع إلى السماء السادسة فمات بها، وهكذا قال الض*اك. وال*ديث المتفق عليه من أنه في السماء الرابعة أص*، وهو قول مجاهد وغير وا*د. وقال ال*سن البصري: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً} قال: إلى الجنة، وقال قائلون رفع في *ياة أبيه يرد بن مهلاييل والله أعلم. وقد زعم بعضهم أن إدريس لم يكن قبل نو* بل في زمان بني إسرائيل.

    قال البخاري: ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس، واستأنسوا في ذلك بما جاء في *ديث الزهري عن أنس في الإسراء: أنه لما مرّ به عليه السلام قال له مر*باً بالأخ الصال* والنبي الصال*، ولم يقل كما قال آدم و إبراهيم: مر*باً بالنبي الصال* والابن الصال*، قالوا: فلو كان في عمود نسبه لقال له كما قالا له.

    وهذا لا يدل ولابد، قد لا يكون الراوي *فظه جيداً، أو لعله قاله على سبيل الهضم والتواضع، ولم ينتصب له في مقام الأبوة كما انتصب لآدم أبي البشر، وإبراهيم الذي هو خليل الر*من، وأكبر أولي العزم بعد م*مد صلوات الله عليهم أجمعين.


    ----------

    نو* عليه السلام

    نبذة:
    كان نو* تقيا صادقا أرسله الله ليهدي قومه وينذرهم عذاب الآخرة ولكنهم عصوه وكذبوه، ومع ذلك استمر يدعوهم إلى الدين ال*نيف فاتبعه قليل من الناس، واستمر الكفرة في طغيانهم فمنع الله عنهم المطر ودعاهم نو* أن يؤمنوا *تى يرفع الله عنهم العذاب فآمنوا فرفع الله عنهم العذاب ولكنهم رجعوا إلى كفرهم، وأخذ يدعوهم 950 سنة ثم أمره الله ببناء السفينة وأن يأخذ معه زوجا من كل نوع ثم جاء الطوفان فأغرقهم أجمعين.


    سيرته:

    *ال الناس قبل بعثة نو*:

    قبل أن يولد قوم نو* عاش خمسة رجال صال*ين من أجداد قوم نو*، عاشوا زمنا ثم ماتوا، كانت أسماء الرجال الخمسة هي: (ودَّ، سُواع، يغوث، يعوق، نسرا). بعد موتهم صنع الناس لهم تماثيل في مجال الذكرى والتكريم، ومضى الوقت.. ومات الذين ن*توا التماثيل.. وجاء أبنائهم.. ومات الأبناء وجاء أبناء الأبناء.. ثم نسجت قصصا و*كايات *ول التماثيل تعزو لها قوة خاصة.. واستغل إبليس الفرصة، وأوهم الناس أن هذه تماثيل آلهة تملك النفع وتقدر على الضرر.. وبدأ الناس يعبدون هذه التماثيل.

    إرسال نو* عليه السلام:
    كان نو* كان على الفطرة مؤمنا بالله تعالى قبل بعثته إلى الناس. وكل الأنبياء مؤمنون بالله تعالى قبل بعثتهم. وكان كثير الشكر لله عزّ وجلّ. فاختاره الله ل*مل الرسالة. فخرج نو* على قومه وبدأ دعوته:

    يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ

    بهذه الجملة الموجزة وضع نو* قومه أمام *قيقة الألوهية.. و*قيقة البعث. هناك إله خالق وهو و*ده الذي يست*ق العبادة.. وهناك موت ثم بعث ثم يوم للقيامة. يوم عظيم، فيه عذاب يوم عظيم.شر* "نو*" لقومه أنه يست*يل أن يكون هناك غير إله وا*د هو الخالق. أفهمهم أن الشيطان قد خدعهم زمنا طويلا، وأن الوقت قد جاء ليتوقف هذا الخداع، *دثهم نو* عن تكريم الله للإنسان. كيف خلقه، ومن*ه الرزق وأعطاه نعمة العقل، وليست عبادة الأصنام غير ظلم خانق للعقل.

    ت*رك قوم نو* في اتجاهين بعد دعوته. لمست الدعوة قلوب الضعفاء والفقراء والبؤساء، وان*نت على جرا*هم وآلامهم بالر*مة.. أما الأغنياء والأقوياء والكبراء، تأملوا الدعوة بعين الشك… ولما كانوا يستفيدون من بقاء الأوضاع على ما هي عليه.. فقد بدءوا *ربهم ضد نو*.

    في البداية اتهموا نو*ا بأنه بشر مثلهم:

    فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا

    قال تفسير القرطبي: الملأ الذين كفروا من قومه هم الرؤساء الذين كانوا في قومه. يسمون الملأ لأنهم مليئون بما يقولون.

    قال هؤلاء الملأ لنو*: أنت بشر يا نو*.

    رغم أن نو*ا لم يقل غير ذلك، وأكد أنه مجرد بشر.. والله يرسل إلى الأرض رسولا من البشر، لأن الأرض يسكنها البشر، ولو كانت الأرض تسكنها الملائكة لأرسل الله رسولا من الملائكة.. استمرت ال*رب بين الكافرين ونو*.

    في البداية، تصور الكفرة يومها أن دعوة نو* لا تلبث أن تنطفئ و*دها، فلما وجدوا الدعوة تجتذب الفقراء والضعفاء وأهل الصناعات البسيطة بدءوا الهجوم على نو* من هذه النا*ية. هاجموه في أتباعه، وقالوا له: لم يتبعك غير الفقراء والضعفاء والأراذل.

    هكذا اندلع الصراع بين نو* ورؤساء قومه. ولجأ الذين كفروا إلى المساومة. قالوا لنو*: اسمع يا نو*. إذا أردت أن نؤمن لك فاطرد الذين آمنوا بك. إنهم ضعفاء وفقراء، ون*ن سادة القوم وأغنياؤهم.. ويست*يل أن تضمنا دعوة وا*دة مع هؤلاء.

    واستمع نو* إلى كفار قومه وأدرك أنهم يعاندون، ورغم ذلك كان طيبا في رده. أفهم قومه أنه لا يستطيع أن يطرد المؤمنين، لأنهم أولا ليسوا ضيوفه، إنما هم ضيوف الله.. وليست الر*مة بيته الذي يدخل فيه من يشاء أو يطرد منه من يشاء، إنما الر*مة بيت الله الذي يستقبل فيه من يشاء.

    كان نو* يناقش كل *جج الكافرين بمنطق الأنبياء الكريم الوجيه. وهو منطق الفكر الذي يجرد نفسه من الكبرياء الشخصي وهوى المصال* الخاصة.

    قال لهم إن الله قد آتاه الرسالة والنبوة والر*مة. ولم يروا هم ما آتاه الله، وهو بالتالي لا يجبرهم على الإيمان برسالته وهم كارهون. إن كلمة لا إله إلا الله لا تفرض على أ*د من البشر. أفهمهم أنه لا يطلب منهم مقابلا لدعوته، لا يطلب منهم مالا فيثقل عليهم، إن أجره على الله، هو الذي يعطيه ثوابه. أفهمهم أنه لا يستطيع أن يطرد الذين آمنوا بالله، وأن له *دوده كنبي. و*دوده لا تعطيه *ق طرد المؤمنين لسببين: أنهم سيلقون الله مؤمنين به فكيف يطرد مؤمنا بالله؟ ثم أنه لو طردهم لخاصموه عند الله، ويجازي من طردهم، فمن الذي ينصر نو*ا من الله لو طردهم؟ وهكذا انتهى نو* إلى أن مطالبة قومه له بطرد المؤمنين جهل منهم.

    وعاد نو* يقول لهم أنه لا يدعى لنفسه أكثر مما له من *ق، وأخبرهم بتذللـه وتواضعه لله عز وجل، فهو لا يدعي لنفسه ما ليس له من خزائن الله، وهي إنعامه على من يشاء من عباده، وهو لا يعلم الغيب، لأن الغيب علم اختص الله تعالى و*ده به. أخبرهم أيضا أنه ليس ملكا. بمعنى أن منزلته ليست كمنزلة الملائكة.. قال لهم نو*: إن الذين تزدري أعينكم وت*تقر وتستثقل.. إن هؤلاء المؤمنين الذي ت*تقرونهم لن تبطل أجورهم وتضيع لا*تقاركم لهم، الله أعلم بما في أنفسهم. هو الذي يجازيهم عليه ويؤاخذهم به.. أظلم نفسي لو قلت إن الله لن يؤتيهم خيرا.

    وسئم الملأ يومها من هذا الجدل الذي يجادله نو*.. *كى الله موقفهم منه في سورة (هود):

    قَالُواْ يَا نُو*ُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (33) وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْ*ِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَ*َ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) (هود)

    أضاف نو* إغواءهم إلى الله تعالى. تسليما بأن الله هو الفاعل في كل *ال. غير أنهم است*قوا الضلال بموقفهم الاختياري وملئ *ريتهم وكامل إرادتهم.. فالإنسان صانع لأفعاله ولكنه م*تاج في صدورها عنه إلى ربه. بهذه النظرة يستقيم معنى مساءلة الإنسان عن أفعاله. كل ما في الأمر أن الله ييسر كل مخلوق لما خلق له، سواء أكان التيسير إلى الخير أم إلى الشر.. وهذا من تمام ال*رية وكمالها. يختار الإنسان ب*ريته فييسر له الله تعالى طريق ما اختاره. اختار كفار قوم نو* طريق الغواية فيسره الله لهم.

    وتستمر المعركة، وتطول المناقشة بين الكافرين من قوم نو* وبينه إذا انهارت كل *جج الكافرين ولم يعد لديهم ما يقال، بدءوا يخرجون عن *دود الأدب ويشتمون نبي الله:

    قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (60) (الأعراف)

    ورد عليهم نو* بأدب الأنبياء العظيم:

    قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَ*ُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (62) (الأعراف)

    ويستمر نو* في دعوة قومه إلى الله. ساعة بعد ساعة. ويوما بعد يوم. وعاما بعد عام. ومرت الأعوام ونو* يدعو قومه. كان يدعوهم ليلا ونهارا، وسرا وجهرا، يضرب لهم الأمثال. ويشر* لهم الآيات ويبين لهم قدرة الله في الكائنات، وكلما دعاهم إلى الله فروا منه، وكلما دعاهم ليغفر الله لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستكبروا عن سماع ال*ق. واستمر نو* يدعو قومه إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاما.

    وكان يلا*ظ أن عدد المؤمنين لا يزيد، بينما يزيد عدد الكافرين. و*زن نو* غير أنه لم يفقد الأمل، وظل يدعو قومه ويجادلهم، وظل قومه على الكبرياء والكفر والتبج*. و*زن نو* على قومه. لكنه لم يبلغ درجة اليأس. ظل م*تفظا بالأمل طوال 950 سنة. ويبدو أن أعمار الناس قبل الطوفان كانت طويلة، وربما يكون هذا العمر الطويل لنو* معجزة خاصة له.

    وجاء يوم أو*ى الله إليه، أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. أو*ى الله إليه ألا ي*زن عليهم. ساعتها دعا نو* على الكافرين بالهلاك:

    وَقَالَ نُو*ٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) (نو*)

    برر نو* دعوته بقوله:

    إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (26) (نو*)







    الى التكمله :2 قصص الانبياء


  2. #2
    Date d'inscription
    mars 2011
    Localisation
    مصر
    Messages
    2 800
    Pouvoir de réputation
    9


    تكمله: 2 قصص الانبياء





    تكمله: 2 قصص الانبياء

    الطوفان:

    ثم أصدر الله تعالى *كمه على الكافرين بالطوفان. أخبر الله تعالى عبده نو*ا أنه سيصنع سفينة (بِأَعْيُنِنَا وَوَ*ْيِنَا) أي بعلم الله وتعليمه، وعلى مرأى منه وطبقا لتوجيهاته ومساعدة الملائكة. أصدر الله تعالى أمره إلى نو*: (وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ) يغرق الله الذين ظلموا مهما كانت أهميتهم أو قرابتهم للنبي، وينهى الله نبيه أن يخاطبه أو يتوسط لهم.

    وبدأ نو* يغرس الشجر ويزرعه ليصنع منه السفينة. انتظر سنوات، ثم قطع ما زرعه، وبدأ نجارته. كانت سفينة عظيمة الطول والارتفاع والمتانة، وقد اختلف المفسرون في *جمها، وهيئتها، وعدد طبقاتها، ومدة عملها، والمكان الذي عملت فيه، ومقدار طولها، وعرضها، على أقوال متعارضة لم يص* منها شيء. وقال الفخر الرازي في هذا كله: أعلم أن هذه المبا*ث لا تعجبني، لأنها أمور لا *اجة إلى معرفتها البتة، ولا يتعلق بمعرفتها فائدة أصلا. ن*ن نتفق مع الرازي في مقولته هذه. فن*ن لا نعرف عن *قيقة هذه السفينة إلا ما *دثنا الله به. تجاوز الله تعالى هذه التفصيلات التي لا أهمية لها، إلى مضمون القصة ومغزاها المهم.

    بدأ نو* يبني السفينة، ويمر عليه الكفار فيرونه منهمكا في صنع السفينة، والجفاف سائد، وليست هناك أنهار قريبة أو ب*ار. كيف ستجري هذه السفينة إذن يا نو*؟ هل ستجري على الأرض؟ أين الماء الذي يمكن أن تسب* فيه سفينتك؟ لقد جن نو*، وترتفع ض*كات الكافرين وتزداد سخريتهم من نو*. وكانوا يسخرون منه قائلين: صرت نجارا بعد أن كنت نبيا!

    إن قمة الصراع في قصة نو* تتجلى في هذه المسا*ة الزمنية، إن الباطل يسخر من ال*ق. يض*ك عليه طويلا، متصورا أن الدنيا ملكه، وأن الأمن نصيبه، وأن العذاب غير واقع.. غير أن هذا كله مؤقت بموعد *لول الطوفان. عندئذ يسخر المؤمنون من الكافرين، وتكون سخريتهم هي ال*ق.

    انتهى صنع السفينة، وجلس نو* ينتظر أمر الله. أو*ى الله إلى نو* أنه إذا فار التنور هذا علامة على بدء الطوفان. قيل في تفسير التنور أنه بركان في المنطقة، وقيل أن الفرن الكائن في بيت نو*، إذا خرج منه الماء وفار كان هذا أمرا لنو* بال*ركة.

    وجاء اليوم الرهيب، فار التنور. وأسرع نو* يفت* سفينته ويدعو المؤمنين به، وهبط جبريل عليه السلام إلى الأرض. *مل نو* إلى السفينة من كل *يوان وطير وو*ش زوجين اثنين، بقرا وثورا، فيلا وفيلة، عصفورا وعصفور، نمرا ونمرة، إلى آخر المخلوقات. كان نو* قد صنع أقفاصا للو*وش وهو يصنع السفينة. وساق جبريل عليه السلام أمامه من كل زوجين اثنين، لضمان بقاء نوع ال*يوان والطير على الأرض، وهذا معناه أن الطوفان أغرق الأرض كلها، فلولا ذلك ما كان هناك معنى ل*مل هذه الأنواع من ال*يوان والطير. وبدأ صعود السفينة. صعدت ال*يوانات والو*وش والطيور، وصعد من آمن بنو*، وكان عدد المؤمنين قليلا.

    لم تكن زوجة نو* مؤمنة به فلم تصعد، وكان أ*د أبنائه يخفي كفره ويبدي الإيمان أمام نو*، فلم يصعد هو الآخر. وكانت أغلبية الناس غير مؤمنة هي الأخرى، فلم تصعد. وصعد المؤمنون. قال ابن عباس، رضي الله عنهما: آمن من قوم نو* ثمانون إنسانا.

    ارتفعت المياه من فت*ات الأرض. انهمرت من السماء أمطارا غزيرة بكميات لم تر مثلها الأرض. فالتقت أمطار السماء بمياه الأرض، وصارت ترتفع ساعة بعد ساعة. فقدت الب*ار هدوئها، وانفجرت أمواجها تجور على اليابسة، وتكتس* الأرض. وغرقت الكرة الأرضية للمرة الأولى في المياه.

    ارتفعت المياه أعلى من الناس. تجاوزت قمم الأشجار، وقمم الجبال، وغطت سط* الأرض كله. وفي بداية الطوفان نادى نو* ابنه. كان ابنه يقف بمعزل منه. وي*كي لنا المولى عز وجل ال*وار القصير الذي دار بين نو* عليه السلام وابنه قبل أن ي*ول بينهما الموج فجأة.

    نادى نو* ابنه قائلا: يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ
    ورد الابن عليه: قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء
    عاد نو* يخاطبه: قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّ*ِمَ

    وانتهى ال*وار بين نو* وابنه:

    وَ*َالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ


    انظر إلى تعبير القرآن الكريم (وَ*َالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ) أنهى الموج *وارهما فجأة. نظر نو* فلم يجد ابنه. لم يجد غير جبال الموج التي ترتفع وترفع معها السفينة، وتفقدها رؤية كل شيء غير المياه. وشاءت ر*مة الله أن يغرق الابن بعيدا عن عين الأب، ر*مة منه بالأب، واعتقد نو* أن ابنه المؤمن تصور أن الجبل سيعصمه من الماء، فغرق.

    واستمر الطوفان. استمر ي*مل سفينة نو*. بعد ساعات من بدايته، كانت كل عين تطرف على الأرض قد هلكت غرقا. لم يعد باقيا من ال*ياة والأ*ياء غير هذا الجزء الخشبي من سفينة نو*، وهو ينطوي على الخلاصة المؤمنة من أهل الأرض. وأنواع ال*يوانات والطيور التي اختيرت بعناية. ومن الصعب اليوم تصور هول الطوفان أو عظمته. كان شيئا مروعا يدل على قدرة الخالق. كانت السفينة تجري بهم في موج كالجبال. ويعتقد بعض العلماء الجيولوجيا اليوم إن انفصال القارات وتشكل الأرض في صورتها ال*الية، قد وقعا نتيجة طوفان قديم جبار، ثارت فيه المياه ثورة غير مفهومة. *تى غطت سط* الجزء اليابس من الأرض، وارتفعت فيه قيعان الم*يطات ووقع فيه ما نستطيع تسميته بالثورة الجغرافية.

    استمر طوفان نو* زمنا لا نعرف مقداره. ثم صدر الأمر الإلهي إلى السماء أن تكف عن الإمطار، وإلى الأرض أن تستقر وتبتلع الماء، وإلى أخشاب السفينة أن ترسو على الجودي، وهو اسم مكان قديم يقال أنه جبل في العراق. طهر الطوفان الأرض وغسلها. قال تعالى في سورة (هود):

    وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) (هود)

    (وَغِيضَ الْمَاء) بمعنى نقص الماء وانصرف عائدا إلى فت*ات الأرض. (وَقُضِيَ الأَمْرُ) بمعنى أنه أ*كم وفرغ منه، يعني هلك الكافرون من قوم نو* تماما. ويقال أن الله أعقم أر*امهم أربعين سنة قبل الطوفان، فلم يكن فيمن هلك طفل أو صغير. (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) بمعنى رست عليه، وقيل كان ذلك يوم عاشوراء. فصامه نو*، وأمر من معه بصيامه. (وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي هلاكا لهم. طهر الطوفان الأرض منهم وغسلها. ذهب الهول بذهاب الطوفان. وانتقل الصراع من الموج إلى نفس نو*.. تذكر ابنه الذي غرق.

    لم يكن نو* يعرف *تى هذه الل*ظة أن ابنه كافر. كان يتصور أنه مؤمن عنيد، آثر النجاة باللجوء إلى جبل. وكان الموج قد أنهى *وارهما قبل أن يتم.. فلم يعرف نو* *ظ ابنه من الإيمان. ت*ركت في قلب الأب عواطف الأبوة. قال تعالى في سورة (هود):

    وَنَادَى نُو*ٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْ*َقُّ وَأَنتَ أَ*ْكَمُ الْ*َاكِمِينَ (45) (هود)

    أراد نو* أن يقول لله أن ابنه من أهله المؤمنين. وقد وعده الله بنجاة أهله المؤمنين. قال الله سب*انه وتعالى، مطلعا نو*ا على *قيقة ابنه للمرة الأولى:

    يَا نُو*ُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِ*ٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) (هود)

    قال القرطبي -نقلا عن شيوخه من العلماء- وهو الرأي الذي نؤثره: كان ابنه عنده -أي نو*- مؤمنا في ظنه، ولم يك نو* يقول لربه: (إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي) إلا وذلك عنده كذلك، إذ م*ال أن يسأل هلاك الكفار، ثم يسأل في إنجاء بعضهم. وكان ابنه يسرّ الكفر ويظهر الإيمان. فأخبر الله تعالى نو*ا بما هو منفرد به من علم الغيوب. أي علمت من *ال ابنك ما لم تعلمه أنت. وكان الله *ين يعظه أن يكون من الجاهلين، يريد أن يبرئه من تصور أن يكون ابنه مؤمنا، ثم يهلك مع الكافرين.

    وثمة درس مهم تنطوي عليه الآيات الكريمة التي ت*كي قصة نو* وابنه. أراد الله سب*انه وتعالى أن يقول لنبيه الكريم أن ابنه ليس من أهله، لأنه لم يؤمن بالله، وليس الدم هو الصلة ال*قيقية بين الناس. ابن النبي هو ابنه في العقيدة. هو من يتبع الله والنبي، وليس ابنه من يكفر به ولو كان من صلبه. هنا ينبغي أن يتبرأ المؤمن من غير المؤمن. وهنا أيضا ينبغي أن تتصل بين المؤمنين صلات العقيدة ف*سب. لا اعتبارات الدم أو الجنس أو اللون أو الأرض.

    واستغفر نو* ربه وتاب إليه ور*مه الله وأمره أن يهبط من السفينة م*اطا ببركة الله ورعايته. وهبط نو* من سفينته. أطلق سرا* الطيور والو*ش فتفرقت في الأرض، نزل المؤمنون بعد ذلك. ولا ي*كي لنا القرآن الكريم قصة من آمن مع نو* بعد نجاتهم من الطوفان.


    -------------------

    هود عليه السلام

    نبذة:

    أرسل إلى قوم عاد الذين كانوا بالأ*قاف، وكانوا أقوياء الجسم والبنيان وآتاهم الله الكثير من رزقه ولكنهم لم يشكروا الله على ما آتاهم وعبدوا الأصنام فأرسل لهم الله هودا نبيا مبشرا، كان *كيما ولكنهم كذبوه وآذوه فجاء عقاب الله وأهلكهم بري* صرصر عاتية استمرت سبع ليال وثمانية أيام.

    سيرته:
    عبادة الناس للأصنام:
    بعد أن ابتلعت الأرض مياه الطوفان الذي أغرق من كفر بنو* عليه السلام، قام من آمن معه ونجى بعمارة الأرض. فكان كل من على الأرض في ذلك الوقت من المؤمنين. لم يكن بينهم كافر وا*د. ومرت سنوات وسنوات. مات الآباء والأبناء وجاء أبناء الأبناء. نسى الناس وصية نو*، وعادت عبادة الأصنام. ان*رف الناس عن عبادة الله و*ده، وتم الأمر بنفس الخدعة القديمة.

    قال أ*فاد قوم نو*: لا نريد أن ننسى آبائنا الذين نجاهم الله من الطوفان. وصنعوا للناجين تماثيل ليذكروهم بها، وتطور هذا التعظيم جيلا بعد جيل، فإذا الأمر ينقلب إلى العبادة، وإذا بالتماثيل تت*ول بمكر من الشيطان إلى آلهة مع الله. وعادت الأرض تشكو من الظلام مرة ثانية. وأرسل الله سيدنا هودا إلى قومه.

    إرسال هود عليه السلام:
    كان "هود" من قبيلة اسمها "عاد" وكانت هذه القبيلة تسكن مكانا يسمى الأ*قاف.. وهو ص*راء تمتلئ بالرمال، وتطل على الب*ر. أما مساكنهم فكانت خياما كبيرة لها أعمدة شديدة الضخامة والارتفاع، وكان قوم عاد أعظم أهل زمانهم في قوة الأجسام، والطول والشدة.. كانوا عمالقة وأقوياء، فكانوا يتفاخرون بقوتهم. فلم يكن في زمانهم أ*د في قوتهم. ورغم ضخامة أجسامهم، كانت لهم عقول مظلمة. كانوا يعبدون الأصنام، ويدافعون عنها، وي*اربون من أجلها، ويتهمون نبيهم ويسخرون منه. وكان المفروض، ما داموا قد اعترفوا أنهم أشد الناس قوة، أن يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة.

    قال لهم هود نفس الكلمة التي يقولها كل رسول. لا تتغير ولا تنقص ولا تتردد ولا تخاف ولا تتراجع. كلمة وا*دة هي الشجاعة كلها، وهي ال*ق و*ده (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ).

    وسأله قومه: هل تريد أن تكون سيدا علينا بدعوتك؟ وأي أجر تريده؟

    إن هذه الظنون السئية تتكرر على ألسنة الكافرين عندما يدعوهم نبيهم للإيمان بالله و*ده. فعقولهم الصغيرة لا تتجاوز ال*ياة الدنيوية. ولا يفكروا إلا بالمجد والسلطة والرياسة.

    أفهمهم هود أن أجره على الله، إنه لا يريد منهم شيئا غير أن يغسلوا عقولهم في نور ال*قيقة. *دثهم عن نعمة الله عليهم، كيف جعلهم خلفاء لقوم نو*، كيف أعطاهم بسطة في الجسم، وشدة في البأس، كيف أسكنهم الأرض التي تمن* الخير والزرع. كيف أرسل عليهم المطر الذي ي*يى به الأرض. وتلفت قوم هود *ولهم فوجدوا أنهم أقوى من على الأرض، وأصابتهم الكبرياء وزادوا في العناد.

    قالوا لهود: كيف تتهم آلهتنا التي وجدنا آباءنا يعبدونها؟
    قال هود: كان آباؤكم مخطئين.
    قال قوم هود: هل تقول يا هود إننا بعد أن نموت ونصب* ترابا يتطاير في الهواء، سنعود إلى ال*ياة؟
    قال هود: ستعودون يوم القيامة، ويسأل الله كل وا*د فيكم عما فعل.

    انفجرت الض*كات بعد هذه الجملة الأخيرة. ما أغرب ادعاء هود. هكذا تهامس الكافرون من قومه. إن الإنسان يموت، فإذا مات ت*لل جسده، فإذا ت*لل جسده ت*ول إلى تراب، ثم يهب الهواء ويتطاير التراب. كيف يعود هذا كله إلى أصله؟! ثم ما معنى وجود يوم للقيامة؟ لماذا يقوم الأموات من موتهم؟

    استقبل هود كل هذه الأسئلة بصبر كريم.. ثم بدأ ي*دث قومه عن يوم القيامة.. أفهمهم أن إيمان الناس بالآخرة ضرورة تتصل بعدل الله، مثلما هي ضرورة تتصل ب*ياة الناس. قال لهم ما يقوله كل نبي عن يوم القيامة. إن *كمة الخالق المدبر لا تكتمل بمجرد بدء الخلق، ثم انتهاء *ياة المخلوقين في هذه الأرض. إن هذه ال*ياة اختبار، يتم ال*ساب بعدها. فليست تصرفات الناس في الدنيا وا*دة، هناك من يظلم، وهناك من يقتل، وهناك من يعتدي.. وكثيرا ما نرى الظالمين يذهبون بغير عقاب، كثيرا ما نرى المعتدين يتمتعون في ال*ياة بالا*ترام والسلطة. أين تذهب شكاة المظلومين؟ وأين يذهب ألم المضطهدين؟ هل يدفن معهم في التراب بعد الموت؟

    إن العدالة تقتضي وجود يوم للقيامة. إن الخير لا ينتصر دائما في ال*ياة. أ*يانا ينظم الشر جيوشه ويقتل *ملة الخير. هل تذهب هذه الجريمة بغير عقاب؟

    إن ظلما عظيما يتأكد لو افترضنا أن يوم القيامة لن يجئ. ولقد *رم الله تعالى الظلم على نفسه وجعله م*رما بين عباده. ومن تمام العدل وجود يوم للقيامة وال*ساب والجزاء. ذلك أن يوم القيامة هو اليوم الذي تعاد فيه جميع القضايا مرة أخرى أمام الخالق، ويعاد نظرها مرة أخرى. وي*كم فيها رب العالمين سب*انه. هذه هي الضرورة الأولى ليوم القيامة، وهي تتصل بعدالة الله ذاته.

    وثمة ضرورة أخرى ليوم القيامة، وهي تتصل بسلوك الإنسان نفسه. إن الاعتقاد بيوم الدين، والإيمان ببعث الأجساد، والوقوف لل*ساب، ثم تلقي الثواب والعقاب، ودخول الجنة أو النار، هذا شيء من شأنه أن يعلق أنظار البشر وقلوبهم بعالم أخر بعد عالم الأرض، فلا تستبد بهم ضرورات ال*ياة، ولا يستعبدهم الطمع، ولا تتملكهم الأنانية، ولا يقلقهم أنهم لم ي*ققوا جزاء سعيهم في عمرهم القصير الم*دود، وبذلك يسمو الإنسان على الطين الذي خلق منه إلى الرو* الذي نفخه ربه فيه. ولعل مفترق الطريق بين الخضوع لتصورات الأرض وقيمها وموازينها، والتعلق بقيم الله العليا، والانطلاق اللائق بالإنسان، يكمن في الإيمان بيوم القيامة.

    *دثهم هود بهذا كله فاستمعوا إليه وكذبوه. قالوا له هيهات هيهات.. واستغربوا أن يبعث الله من في القبور، استغربوا أن يعيد الله خلق الإنسان بعد ت*وله إلى التراب، رغم أنه خلقه من قبل من التراب. وطبقا للمقاييس البشرية، كان ينبغي أن ي*س المكذبون للبعث أن إعادة خلق الإنسان من التراب والعظام أسهل من خلقه الأول. لقد بدأ الله الخلق فأي صعوبة في إعادته؟! إن الصعوبة -طبقا للمقياس البشري- تكمن في الخلق. وليس المقياس البشري غير مقياسٍ بشري ينطبق على الناس، أما الله، فليست هناك أمور صعبة أو سهلة بالنسبة إليه سب*انه، تجري الأمور بالنسبة إليه سب*انه بمجرد الأمر.



    -----------------
    موقف الملأ من دعوة هود:

    يروي المولى عزل وجل موقف الملأ (وهم الرؤساء) من دعوة هود عليه السلام. سنرى هؤلاء الملأ في كل قصص الأنبياء. سنرى رؤساء القوم وأغنيائهم ومترفيهم يقفون ضد الأنبياء. يصفهم الله تعالى بقوله: (وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْ*َيَاةِ الدُّنْيَا) من مواقع الثراء والغنى والترف، يولد ال*رص على استمرار المصال* الخاصة. ومن مواقع الثراء والغنى والترف والرياسة، يولد الكبرياء. ويلتفت الرؤساء في القوم إلى أنفسهم ويتساءلون: أليس هذا النبي بشرا مثلنا، يأكل مما نأكل، ويشرب مما نشرب؟ بل لعله بفقره يأكل أقل مما نأكل، ويشرب في أكواب صدئة، ون*ن نشرب في أكواب الذهب والفضة.. كيف يدعي أنه على ال*ق ون*ن على الباطل؟ هذا بشر .. كيف نطيع بشرا مثلنا؟ ثم.. لماذا اختار الله بشرا من بيننا ليو*ى إليه؟

    قال رؤساء قوم هود: أليس غريبا أن يختار الله من بيننا بشرا ويو*ي إليه؟!
    تسائل هو: ما هو الغريب في ذلك؟ إن الله الر*يم بكم قد أرسلني إليكم لأ*ذركم. إن سفينة نو*، وقصة نو* ليست ببعيدة عنكم، لا تنسوا ما *دث، لقد هلك الذين كفروا بالله، وسيهلك الذين يكفرون بالله دائما، مهما يكونوا أقوياء.
    قال رؤساء قوم هود: من الذي سيهلكنا يا هود؟
    قال هود: الله .
    قال الكافرون من قوم هود: ستنجينا آلهتنا.

    وأفهمهم هود أن هذه الآلهة التي يعبدونها لتقربهم من الله، هي نفسها التي تبعدهم عن الله. أفهمهم أن الله هو و*ده الذي ينجي الناس، وأن أي قوة أخرى في الأرض لا تستطيع أن تضر أو تنفع.

    واستمر الصراع بين هود وقومه. وكلما استمر الصراع ومرت الأيام، زاد قوم هود استكبارا وعنادا وطغيانا وتكذيبا لنبيهم. وبدءوا يتهمون "هودا" عليه السلام بأنه سفيه مجنون.

    قالوا له يوما: لقد فهمنا الآن سر جنونك. إنك تسب آلهتنا وقد غضبت آلهتنا عليك، وبسبب غضبها صرت مجنونا.

    انظروا للسذاجة التي وصل إليها تفكيرهم. إنهم يظنون أن هذه ال*جارة لها قوى على من صنعها. لها تأثير على الإنسان مع أنا لا تسمع ولا ترى ولا تنطق. لم يتوقف هود عند هذيانهم، ولم يغضبه أن يظنوا به الجنون والهذيان، ولكنه توقف عند قولهم: (وَمَا نَ*ْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَ*ْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ).

    بعد هذا الت*دي لم يبق لهود إلا الت*دي. لم يبق له إلا التوجه إلى الله و*ده. لم يبق أمامه إلا إنذار أخير ينطوي على وعيد للمكذبين وتهديدا لهم.. وت*دث هود:

    إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ *َفِيظٌ (57) (هود)

    إن الإنسان ليشعر بالدهشة لهذه الجرأة في ال*ق. رجل وا*د يواجه قوما غلاظا شدادا و*مقى. يتصورون أن أصنام ال*جارة تستطيع الإيذاء. إنسان بمفرده يقف ضد جبارين فيسفه عقيدتهم، ويتبرأ منهم ومن آلهتهم، ويت*داهم أن يكيدوا له بغير إبطاء أو إهمال، فهو على استعداد لتلقي كيدهم، وهو على استعداد ل*ربهم فقد توكل على الله. والله هو القوي ب*ق، وهو الآخذ بناصية كل دابة في الأرض. سواء الدواب من الناس أو دواب الو*وش أو ال*يوان. لا شيء يعجز الله.

    بهذا الإيمان بالله، والثقة بوعده، والاطمئنان إلى نصره.. يخاطب هود الذين كفروا من قومه. وهو يفعل ذلك رغم و*دته وضعفه، لأنه يقف مع الأمن ال*قيقي ويبلغ عن الله. وهو في *ديثه يفهم قومه أنه أدى الأمانة، وبلغ الرسالة. فإن كفروا فسوف يستخلف الله قوما غيرهم، سوف يستبدل بهم قوما آخرين. وهذا معناه أن عليهم أن ينتظروا العذاب.

    هلاك عاد:

    وهكذا أعلن هود لهم براءته منهم ومن آلهتهم. وتوكل على الله الذي خلقه، وأدرك أن العذاب واقع بمن كفر من قومه. هذا قانون من قوانين ال*ياة. يعذب الله الذين كفروا، مهما كانوا أقوياء أو أغنياء أو جبابرة أو عمالقة.

    انتظر هود وانتظر قومه وعد الله. وبدأ الجفاف في الأرض. لم تعد السماء تمطر. وهرع قوم هود إليه. ما هذا الجفاف يا هود؟ قال هود: إن الله غاضب عليكم، ولو آمنتم فسوف يرضى الله عنكم ويرسل المطر فيزيدكم قوة إلى قوتكم. وسخر قوم هود منه وزادوا في العناد والسخرية والكفر. وزاد الجفاف، واصفرت الأشجار الخضراء ومات الزرع. وجاء يوم فإذا س*اب عظيم يملأ السماء. وفر* قوم هود وخرجوا من بيوتهم يقولون: (هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا).

    تغير الجو فجأة. من الجفاف الشديد وال*ر إلى البرد الشديد القارس. بدأت الريا* تهب. ارتعش كل شيء، ارتعشت الأشجار والنباتات والرجال والنساء والخيام. واستمرت الري*. ليلة بعد ليلة، ويوما بعد يوم. كل ساعة كانت برودتها تزداد. وبدأ قوم هود يفرون، أسرعوا إلى الخيام واختبئوا داخلها، اشتد هبوب الريا* واقتلعت الخيام، واختبئوا ت*ت الأغطية، فاشتد هبوب الريا* وتطايرت الأغطية. كانت الريا* تمزق الملابس وتمزق الجلد وتنفذ من فت*ات الجسم وتدمره. لا تكاد الري* تمس شيئا إلا قتلته ودمرته، وجعلته كالرميم.

    استمرت الريا* مسلطة عليهم سبع ليال وثمانية أيام لم تر الدنيا مثلها قط. ثم توقفت الري* بإذن ربها. لم يعد باقيا ممن كفر من قوم هود إلا ما يبقى من النخل الميت. مجرد غلاف خارجي لا تكاد تضع يدك عليه *تى يتطاير ذرات في الهواء.

    نجا هود ومن آمن معه.. وهلك الجبابرة.. وهذه نهاية عادلة لمن يت*دى الله ويستكبر عن عبادته.


    -




    الى التكمله :3 قصص الانبياء

  3. #3
    Date d'inscription
    mars 2011
    Localisation
    مصر
    Messages
    2 800
    Pouvoir de réputation
    9


    تكملة:3 قصص الانبياء






    تكملة:3 قصص الانبياء



    صال* عليه السلام
    نبذة:
    أرسله الله إلى قوم ثمود وكانوا قوما جا*دين آتاهم الله رزقا كثيرا ولكنهم عصوا ربهم وعبدوا الأصنام وتفاخروا بينهم بقوتهم فبعث الله إليهم صال*ا مبشرا ومنذرا ولكنهم كذبوه وعصوه وطالبوه بأن يأتي بآية ليصدقوه فأتاهم بالناقة وأمرهم أن لا يؤذوها ولكنهم أصروا على كبرهم فعقروا الناقة وعاقبهم الله بالصاعقة فصعقوا جزاء لفعلتهم ونجى الله صال*ا والمؤمنين
    سيرته:
    إرسال صال* عليه السلام لثمود:
    جاء قوم ثمود بعد قوم عاد، وتكررت قصة العذاب بشكل مختلف مع ثمود. كانت ثمود قبيلة تعبد الأصنام هي الأخرى، فأرسل الله سيدنا "صال*ا" إليهم.. وقال صال* لقومه: (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ) نفس الكلمة التي يقولها كل نبي.. لا تتبدل ولا تتغير، كما أن ال*ق لا يتبدل ولا يتغير.
    فوجئ الكبار من قوم صال* بما يقوله.. إنه يتهم آلهتهم بأنها بلا قيمة، وهو ينهاهم عن عبادتها ويأمرهم بعبادة الله و*ده. وأ*دثت دعوته هزة كبيرة في المجتمع.. وكان صال* معروفا بال*كمة والنقاء والخير. كان قومه ي*ترمونه قبل أن يو*ي الله إليه ويرسله بالدعوة إليهم.. وقال قوم صال* له:
    قَالُواْ يَا صَالِ*ُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) (هود)
    تأمل وجهة نظر الكافرين من قوم صال*. إنهم يدلفون إليه من باب شخصي ب*ت. لقد كان لنا رجاء فيك. كنت مرجوا فينا لعلمك وعقلك وصدقك و*سن تدبيرك، ثم خاب رجاؤنا فيك.. أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا؟! يا للكارثة.. كل شيء يا صال* إلا هذا. ما كنا نتوقع منك أن تعيب آلهتنا التي وجدنا آبائنا عاكفين عليها.. وهكذا يعجب القوم مما يدعوهم إليه. ويستنكرون ما هو واجب و*ق، ويدهشون أن يدعوهم أخوهم صال* إلى عبادة الله و*ده. لماذا؟ ما كان ذلك كله إلا لأن آبائهم كانوا يعبدون هذه الآلهة.
    معجزة صال* عليه السلام:
    ورغم نصاعة دعوة صال* عليه الصلاة والسلام، فقد بدا واض*ا أن قومه لن يصدقونه. كانوا يشكون في دعوته، واعتقدوا أنه مس*ور، وطالبوه بمعجزة تثبت أنه رسول من الله إليهم. وشاءت إرادة الله أن تستجيب لطلبهم. وكان قوم ثمود ين*تون من الجبال بيوتا عظيمة. كانوا يستخدمون الصخر في البناء، وكانوا أقوياء قد فت* الله عليهم رزقهم من كل شيء. جاءوا بعد قوم عاد فسكنوا الأرض التي استعمروها.
    قال صال* لقومه *ين طالبوه بمعجزة ليصدقوه:
    وَيَا قَوْمِ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) (هود)
    والآية هي المعجزة، ويقال إن الناقة كانت معجزة لأن صخرة بالجبل انشقت يوما وخرجت منها الناقة.. ولدت من غير الطريق المعروف للولادة. ويقال إنها كانت معجزة لأنها كانت تشرب المياه الموجودة في الآبار في يوم فلا تقترب بقية ال*يوانات من المياه في هذا اليوم، وقيل إنها كانت معجزة لأنها كانت تدر لبنا يكفي لشرب الناس جميعا في هذا اليوم الذي تشرب فيه الماء فلا يبقى شيء للناس. كانت هذه الناقة معجزة، وصفها الله سب*انه وتعالى بقوله: (نَاقَةُ اللّهِ) أضافها لنفسه سب*انه بمعنى أنها ليست ناقة عادية وإنما هي معجزة من الله. وأصدر الله أمره إلى صال* أن يأمر قومه بعدم المساس بالناقة أو إيذائها أو قتلها، أمرهم أن يتركوها تأكل في أرض الله، وألا يمسوها بسوء، و*ذرهم أنهم إذا مدوا أيديهم بالأذى للناقة فسوف يأخذهم عذاب قريب.
    في البداية تعاظمت دهشة ثمود *ين ولدت الناقة من صخور الجبل.. كانت ناقة مباركة. كان لبنها يكفي آلاف الرجال والنساء والأطفال. كان واض*ا إنها ليست مجرد ناقة عادية، وإنما هي آية من الله. وعاشت الناقة بين قوم صال*، آمن منهم من آمن وبقي أغلبهم على العناد والكفر. وذلك لأن الكفار عندما يطلبون من نبيهم آية، ليس لأنهم يريدون التأكد من صدقه والإيمان به، وإنما لت*ديه وإظهار عجزه أمام البشر. لكن الله كان يخذلهم بتأييد أنبياءه بمعجزات من عنده.
    كان صال* عليه الصلاة والسلام ي*دث قومه برفق و*ب، وهو يدعوهم إلى عبادة الله و*ده، وينبههم إلى أن الله قد أخرج لهم معجزة هي الناقة، دليلا على صدقه وبينة على دعوته. وهو يرجو منهم أن يتركوا الناقة تأكل في أرض الله، وكل الأرض أرض الله. وهو ي*ذرهم أن يمسوها بسوء خشية وقوع عذاب الله عليهم. كما ذكرهم بإنعام الله عليهم: بأنه جعلهم خلفاء من بعد قوم عاد.. وأنعم عليهم بالقصور والجبال المن*وتة والنعيم والرزق والقوة. لكن قومه تجاوزوا كلماته وتركوه، واتجهوا إلى الذين آمنوا بصال*.
    يسألونهم سؤال استخفاف وزراية: أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِ*ًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ؟!
    قالت الفئة الضعيفة التي آمنت بصال*: إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ
    فأخذت الذين كفروا العزة بالإثم.. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ . هكذا با*تقار واستعلاء وغضب.


    ---
    تآمر الملأ على الناقة:

    وت*ولت الكراهية عن سيدنا صال* إلى الناقة المباركة. تركزت عليها الكراهية، وبدأت المؤامرة تنسج خيوطها ضد الناقة. كره الكافرون هذه الآية العظيمة، ودبروا في أنفسهم أمرا.
    وفي إ*دى الليالي، انعقدت جلسة لكبار القوم، وقد أصب* من المألوف أن نرى أن في قصص الأنبياء هذه التدابير للقضاء على النبي أو معجزاته أو دعوته تأتي من رؤساء القوم، فهم من يخافون على مصال*هم إن ت*ول الناس للتو*يد، ومن خشيتهم إلى خشية الله و*ده. أخذ رؤساء القوم يتشاورون فيما يجب القيام به لإنهاء دعوة صال*. فأشار عليهم وا*د منهم بقتل الناقة ومن ثم قتل صال* نفسه.
    وهذا هو سلا* الظلمة والكفرة في كل زمان ومكان، يعمدون إلى القوة والسلا* بدل ال*وار والنقاش بال*جج والبراهين. لأنهم يعلمون أن ال*ق يعلوا ولا يعلى عليه، ومهما امتد بهم الزمان سيظهر ال*ق ويبطل كل *ججهم. وهم لا يريدون أن يصلوا لهذه المر*لة، وقرروا القضاء على ال*ق قبل أن تقوى شوكته.
    لكن أ*دهم قال: *ذرنا صال* من المساس بالناقة، وهددنا بالعذاب القريب. فقال أ*دهم سريعا قبل أن يؤثر كلام من سبقه على عقول القوم: أعرف من يجرأ على قتل الناقة. ووقع الاختيار على تسعة من جبابرة القوم. وكانوا رجالا يعيثون الفساد في الأرض، الويل لمن يعترضهم.
    هؤلاء هم أداة الجريمة. اتفق على موعد الجريمة ومكان التنفيذ. وفي الليلة الم*ددة. وبينما كانت الناقة المباركة تنام في سلام. انتهى المجرمون التسعة من إعداد أسل*تهم وسيوفهم وسهامهم، لارتكاب الجريمة. هجم الرجال على الناقة فنهضت الناقة مفزوعة. امتدت الأيدي الآثمة القاتلة إليها. وسالت دمائها.
    هلاك ثمود:
    علم النبي صال* بما *دث فخرج غاضبا على قومه. قال لهم: ألم أ*ذركم من أن تمسوا الناقة؟
    قالوا: قتلناها فأتنا بالعذاب واستعجله.. ألم تقل أنك من المرسلين؟
    قال صال* لقومه: تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ
    بعدها غادر صال* قومه. تركهم ومضى. انتهى الأمر ووعده الله بهلاكهم بعد ثلاثة أيام.
    ومرت ثلاثة أيام على الكافرين من قوم صال* وهم يهزءون من العذاب وينتظرون، وفي فجر اليوم الرابع: انشقت السماء عن صي*ة جبارة وا*دة. انقضت الصي*ة على الجبال فهلك فيها كل شيء *ي. هي صرخة وا*دة.. لم يكد أولها يبدأ وآخرها يجيء *تى كان كفار قوم صال* قد صعقوا جميعا صعقة وا*دة.
    هلكوا جميعا قبل أن يدركوا ما *دث. أما الذين آمنوا بسيدنا صال*، فكانوا قد غادروا المكان مع نبيهم ونجوا.


    ---
    إبراهيم عليه السلام
    نبذة:
    هو خليل الله، اصطفاه الله برسالته وفضله على كثير من خلقه، كان إبراهيم يعيش في قوم يعبدون الكواكب، فلم يكن يرضيه ذلك، وأ*س بفطرته أن هناك إلها أعظم *تى هداه الله واصطفاه برسالته، وأخذ إبراهيم يدعو قومه لو*دانية الله وعبادته ولكنهم كذبوه و*اولوا إ*راقه فأنجاه الله من بين أيديهم، جعل الله الأنبياء من نسل إبراهيم فولد له إسماعيل وإس*اق، قام إبراهيم ببناء الكعبة مع إسماعيل.
    سيرته:
    منزلة إبراهيم عليه السلام:
    هو أ*د أولي العزم الخمسة الكبار الذين اخذ الله منهم ميثاقا غليظا، وهم: نو* وإبراهيم وموسى وعيسى وم*مد.. بترتيب بعثهم. وهو النبي الذي ابتلاه الله ببلاء مبين. بلاء فوق قدرة البشر وطاقة الأعصاب. ورغم *دة الشدة، وعنت البلاء.. كان إبراهيم هو العبد الذي وفى. وزاد على الوفاء بالإ*سان.
    وقد كرم الله تبارك وتعالى إبراهيم تكريما خاصا، فجعل ملته هي التو*يد الخالص النقي من الشوائب. وجعل العقل في جانب الذين يتبعون دينه.
    وكان من فضل الله على إبراهيم أن جعله الله إماما للناس. وجعل في ذريته النبوة والكتاب. فكل الأنبياء من بعد إبراهيم هم من نسله فهم أولاده وأ*فاده. *تى إذا جاء آخر الأنبياء م*مد صلى الله عليه وسلم، جاء ت*قيقا واستجابة لدعوة إبراهيم التي دعا الله فيها أن يبعث في الأميين رسولا منهم.
    ولو مضينا نب*ث في فضل إبراهيم وتكريم الله له فسوف نمتلئ بالدهشة. ن*ن أمام بشر جاء ربه بقلب سليم. إنسان لم يكد الله يقول له أسلم *تى قال أسلمت لرب العالمين. نبي هو أول من سمانا المسلمين. نبي كان جدا وأبا لكل أنبياء الله الذين جاءوا بعده. نبي هادئ متسام* *ليم أواه منيب.
    يذكر لنا ربنا ذو الجلال والإكرام أمرا آخر أفضل من كل ما سبق. فيقول الله عز وجل في م*كم آياته: (وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) لم يرد في كتاب الله ذكر لنبي، اتخذه الله خليلا غير إبراهيم. قال العلماء: الخُلَّة هي شدة الم*بة. وبذلك تعني الآية: واتخذ الله إبراهيم *بيبا. فوق هذه القمة الشامخة يجلس إبراهيم عليه الصلاة والسلام. إن منتهى أمل السالكين، وغاية هدف الم*ققين والعارفين بالله.. أن ي*بوا الله عز وجل. أما أن ي*لم أ*دهم أن ي*به الله، أن يفرده بال*ب، أن يختصه بالخُلَّة وهي شدة الم*بة.. فذلك شيء وراء آفاق التصور. كان إبراهيم هو هذا العبد الرباني الذي است*ق أن يتخذه الله خليلا.
    *ال المشركين قبل بعثة إبراهيم:
    يت*دث القرآن عن ميلاده أو طفولته، ولا يتوقف عند عصره صرا*ة، ولكنه يرسم صورة لجو ال*ياة في أيامه، فتدب ال*ياة في عصره، وترى الناس قد انقسموا ثلاث فئات:
    فئة تعبد الأصنام والتماثيل الخشبية وال*جرية.
    وفئة تعبد الكواكب والنجوم والشمس والقمر.
    وفئة تعبد الملوك وال*كام.
    نشأة إبراهيم عليه السلام:
    وفي هذا الجو ولد إبراهيم. ولد في أسرة من أسر ذلك الزمان البعيد. لم يكن رب الأسرة كافرا عاديا من عبدة الأصنام، كان كافرا متميزا يصنع بيديه تماثيل الآلهة. وقيل أن أباه مات قبل ولادته فرباه عمه، وكان له بمثابة الأب، وكان إبراهيم يدعوه بلفظ الأبوة، وقيل أن أباه لم يمت وكان آزر هو والده *قا، وقيل أن آزر اسم صنم اشتهر أبوه بصناعته.. ومهما يكن من أمر فقد ولد إبراهيم في هذه الأسرة.
    رب الأسرة أعظم ن*ات يصنع تماثيل الآلهة. ومهنة الأب تضفي عليه قداسة خاصة في قومه، وتجعل لأسرته كلها مكانا ممتازا في المجتمع. هي أسرة مرموقة، أسرة من الصفوة ال*اكمة.
    من هذه الأسرة المقدسة، ولد طفل قدر له أن يقف ضد أسرته وضد نظام مجتمعه وضد أوهام قومه وضد ظنون الكهنة وضد العروش القائمة وضد عبدة النجوم والكواكب وضد كل أنواع الشرك باختصار.
    مرت الأيام.. وكبر إبراهيم.. كان قلبه يمتلأ من طفولته بكراهية صادقة لهذه التماثيل التي يصنعها والده. لم يكن يفهم كيف يمكن لإنسان عاقل أن يصنع بيديه تمثالا، ثم يسجد بعد ذلك لما صنع بيديه. لا*ظ إبراهيم إن هذه التماثيل لا تشرب ولا تأكل ولا تتكلم ولا تستطيع أن تعتدل لو قلبها أ*د على جنبها. كيف يتصور الناس أن هذه التماثيل تضر وتنفع؟!


    ---
    مواجهة عبدة الكواكب والنجوم:
    قرر إبراهيم عليه السلام مواجهة عبدة النجوم من قومه، فأعلن عندما رأى أ*د الكواكب في الليل، أن هذا الكوكب ربه. ويبدو أن قومه اطمأنوا له، و*سبوا أنه يرفض عبادة التماثيل ويهوى عبادة الكواكب. وكانت الملا*ة *رة بين الوثنيات الثلاث: عبادة التماثيل والنجوم والملوك. غير أن إبراهيم كان يدخر لقومه مفاجأة مذهلة في الصبا*. لقد أفل الكوكب الذي الت*ق بديانته بالأمس. وإبراهيم لا ي*ب الآفلين. فعاد إبراهيم في الليلة الثانية يعلن لقومه أن القمر ربه. لم يكن قومه على درجة كافية من الذكاء ليدركوا أنه يسخر منهم برفق ولطف و*ب. كيف يعبدون ربا يختفي ثم يظهر. يأفل ثم يشرق. لم يفهم قومه هذا في المرة الأولى فكرره مع القمر. لكن القمر كالزهرة كأي كوكب آخر.. يظهر ويختفي. فقال إبراهيم عدما أفل القمر (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) نلا*ظ هنا أنه عندما ي*دث قومه عن رفضه لألوهية القمر.. فإنه يمزق العقيدة القمرية بهدوء ولطف. كيف يعبد الناس ربا يختفي ويأفل. (لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي) يفهمهم أن له ربا غير كل ما يعبدون. غير أن اللفتة لا تصل إليهم. ويعاود إبراهيم م*اولته في إقامة ال*جة على الفئة الأولى من قومه.. عبدة الكواكب والنجوم. فيعلن أن الشمس ربه، لأنها أكبر من القمر. وما أن غابت الشمس، *تى أعلن براءته من عبادة النجوم والكواكب. فكلها مغلوقات تأفل. وأنهى جولته الأولى بتوجيهه وجهه للذي فطر السماوات والأرض *نيفا.. ليس مشركا مثلهم.
    استطاعت *جة إبراهيم أن تظهر ال*ق. وبدأ صراع قومه معه. لم يسكت عنه عبدة النجوم والكواكب. بدءوا جدالهم وتخويفهم له وتهديده. ورد إبراهيم عليهم قال:
    أَتُ*َاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَ*َقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) (الأنعام)
    لا نعرف رهبة الهجوم عليه. ولا *دة الصراع ضده، ولا أسلوب قومه الذي اتبعه معه لتخويفه. تجاوز القرآن هذا كله إلى رده هو. كان جدالهم باطلا فأسقطه القرآن من القصة، وذكر رد إبراهيم المنطقي العاقل. كيف يخوفونه ولا يخافون هم؟ أي الفريقين أ*ق بالأمن؟
    بعد أن بين إبراهيم عليه السلام *جته لفئة عبدة النجوم والكواكب، استعد لتبيين *جته لعبدة الأصنام. آتاه الله ال*جة في المرة الأولى كما سيؤتيه ال*جة في كل مرة.
    سب*انه.. كان يؤيد إبراهيم ويريه ملكوت السماوات والأرض. لم يكن معه غير إسلامه *ين بدأ صراعه مع عبدة الأصنام. هذه المرة يأخذ الصراع شكلا أعظم *دة. أبوه في الموضوع.. هذه مهنة الأب وسر مكانته وموضع تصديق القوم.. وهي العبادة التي تتبعها الأغلبية.
    مواجهة عبدة الأصنام:
    خرج إبراهيم على قومه بدعوته. قال ب*سم غاضب وغيرة على ال*ق:
    إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْ*َقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (الأنبياء)
    انتهى الأمر وبدأ الصراع بين إبراهيم وقومه.. كان أشدهم ذهولا وغضبا هو أباه أو عمه الذي رباه كأب.. واشتبك الأب والابن في الصراع. فصلت بينهما المبادئ فاختلفا.. الابن يقف مع الله، والأب يقف مع الباطل.
    قال الأب لابنه: مصيبتي فيك كبيرة يا إبراهيم.. لقد خذلتني وأسأت إلي.
    قال إبراهيم:
    يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّ*ْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّ*ْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) (مريم)
    انتفض الأب واقفا وهو يرتعش من الغضب. قال لإبراهيم وهو ثائر إذا لم تتوقف عن دعوتك هذه فسوف أرجمك، سأقتلك ضربا بال*جارة. هذا جزاء من يقف ضد الآلهة.. اخرج من بيتي.. لا أريد أن أراك.. اخرج.
    انتهى الأمر وأسفر الصراع عن طرد إبراهيم من بيته. كما أسفر عن تهديده بالقتل رميا بال*جارة. رغم ذلك تصرف إبراهيم كابن بار ونبي كريم. خاطب أباه بأدب الأنبياء. قال لأبيه ردا على الإهانات والتجري* والطرد والتهديد بالقتل:
    قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي *َفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا (48) (مريم)
    وخرج إبراهيم من بيت أبيه. هجر قومه وما يعبدون من دون الله. وقرر في نفسه أمرا. كان يعرف أن هناك ا*تفالا عظيما يقام على الضفة الأخرى من النهر، وينصرف الناس جميعا إليه. وانتظر *تى جاء الا*تفال وخلت المدينة التي يعيش فيها من الناس.
    وخرج إبراهيم *ذرا وهو يقصد بخطاه المعبد. كانت الشوارع المؤدية إلى المعبد خالية. وكان المعبد نفسه مهجورا. انتقل كل الناس إلى الا*تفال. دخل إبراهيم المعبد ومعه فأس *ادة. نظر إلى تماثيل الآلهة المن*وتة من الصخر والخشب. نظر إلى الطعام الذي وضعه الناس أمامها كنذور وهدايا. اقترب إبراهيم من التماثيل وسألهم: (أَلَا تَأْكُلُونَ) كان يسخر منهم ويعرف أنهم لا يأكلون. وعاد يسأل التماثيل: (مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ) ثم هوى بفأسه على الآلهة.
    وت*ولت الآلهة المعبودة إلى قطع صغيرة من ال*جارة والأخشاب المهشمة.. إلا كبير الأصنام فقد تركه إبراهيم (لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) فيسألونه كيف وقعت الواقعة وهو *اضر فلم يدفع عن صغار الآلهة! ولعلهم *ينئذ يراجعون القضية كلها، فيرجعون إلى صوابهم.
    إلا أن قوم إبراهيم الذين عطّلت الخرافة عقولهم عن التفكير، وغلّ التقليد أفكارهم عن التأمل والتدبر. لم يسألوا أنفسهم: إن كانت هذه آلهة فكيف وقع لها ما وقع دون أن تدفع عن أنفسها شيئا؟! وهذا كبيرها كيف لم يدفع عنها؟! وبدلا من ذلك (قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ).
    عندئذ تذكر الذين سمعوا إبراهيم ينكر على أبيه ومن معه عبادة التماثيل، ويتوعدهم أن يكيد لآلهتهم بعد انصرافهم عنها!
    فأ*ضروا إبراهيم عليه السلام، وتجمّع الناس، وسألوه (أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ)؟ فأجابهم إبراهيم (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ) والتهكم واض* في هذا الجواب الساخر. فلا داعي لتسمية هذه كذبة من إبراهيم -عليه السلام- والب*ث عن تعليلها بشتى العلل التي اختلف عليها المفسرون. فالأمر أيسر من هذا بكثير! إنما أراد أن يقول لهم: إن هذه التماثيل لا تدري من *طمها إن كنت أنا أم هذا الصنم الكبير الذي لا يملك مثلها *راكا. فهي جماد لا إدراك له أصلا. وأنتم كذلك مثلها مسلوبو الإدراك لا تميزون بين الجائز والمست*يل. فلا تعرفون إن كنت أنا الذي *طمتها أم أن هذا التمثال هو الذي *طمها!
    ويبدو أن هذا التهكم الساخر قد هزهم هزا، وردهم إلى شيء من التدبر التفكر:
    فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ (64) (الأنبياء)
    وكانت بادرة خير أن يستشعروا ما في موقفهم من سخف، وما في عبادتهم لهذه التماثيل من ظلم. وأن تتفت* بصيرتهم لأول مرة فيتدبروا ذلك السخف الذي يأخذون به أنفسهم، وذلك الظلم الذي هم فيه سادرون. ولكنها لم تكن إلا ومضة وا*دة أعقبها الظلام، وإلا خفقة وا*دة عادت بعدها قلوبهم إلى الخمود:
    ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ (الأنبياء)
    و*قا كانت الأولى رجعة إلى النفوس، وكانت الثانية نكسة على الرؤوس؛ كما يقول التعبير القرآني المصور العجيب.. كانت الأولى *ركة في النفس للنظر والتدبر. أما الثانية فكانت انقلابا على الرأس فلا عقل ولا تفكير. وإلا فإن قولهم هذا الأخير هو ال*جة عليهم. وأية *جة لإبراهيم أقوى من أن هؤلاء لا ينطقون؟
    ومن ثم يجيبهم بعنف وضيق على غير عادته وهو الصبور ال*ليم. لأن السخف هنا يجاوز صبر ال*ليم:
    قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) (الأنبياء)
    وهي قولة يظهر فيها ضيق الصدرن وغيظ النفس، والعجب من السخف الذي يتجاوز كل مألوف.
    عند ذلك أخذتهم العزة بالإثم كما تأخذ الطغاة دائما *ين يفقدون ال*جة ويعوزهم الدليل، فيلجأون إلى القوة الغاشمة والعذاب الغليظ:
    قَالُوا *َرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) (الأنبياء)





    نجاة إبراهيم عليه السلام من النار:


    وفعلا.. بدأ الاستعداد لإ*راق إبراهيم. انتشر النبأ في المملكة كلها. وجاء الناس من القرى والجبال والمدن ليشهدوا عقاب الذي تجرأ على الآلهة و*طمها واعترف بذلك وسخر من الكهنة. و*فروا *فرة عظيمة ملئوها بال*طب والخشب والأشجار. وأشعلوا فيها النار. وأ*ضروا المنجنيق وهو آلة جبارة ليقذفوا إبراهيم فيها فيسقط في *فرة النار.. ووضعوا إبراهيم بعد أن قيدوا يديه وقدميه في المنجنيق. واشتعلت النار في ال*فرة وتصاعد اللهب إلى السماء. وكان الناس يقفون بعيدا عن ال*فرة من فرط ال*رارة اللاهبة. وأصدر كبير الكهنة أمره بإطلاق إبراهيم في النار.

    جاء جبريل عليه السلام ووقف عند رأس إبراهيم وسأله: يا إبراهيم.. ألك *اجة؟

    قال إبراهيم: أما إليك فلا.

    انطلق المنجنيق ملقيا إبراهيم في *فرة النار. كانت النار موجودة في مكانها، ولكنها لم تكن تمارس وظيفتها في الإ*راق. فقد أصدر الله جل جلاله إلى النار أمره بأن تكون (بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ). أ*رقت النار قيوده فقط. وجلس إبراهيم وسطها كأنه يجلس وسط *ديقة. كان يسبّ* ب*مد ربه ويمجّده. لم يكن في قلبه مكان خال يمكن أن يمتلئ بالخوف أو الرهبة أو الجزع. كان القلب مليئا بال*ب و*ده. ومات الخوف. وتلاشت الرهبة. واست*الت النار إلى سلام بارد يلطف عنه *رارة الجو.

    جلس الكهنة والناس يرقبون النار من بعيد. كانت *رارتها تصل إليهم على الرغم من بعدهم عنها. وظلت النار تشتعل فترة طويلة *تى ظن الكافرون أنها لن تنطفئ أبدا. فلما انطفأت فوجئوا بإبراهيم يخرج من ال*فرة سليما كما دخل. ووجهه يتلألأ بالنور والجلال. وثيابه كما هي لم ت*ترق. وليس عليه أي أثر للدخان أو ال*ريق.

    خرج إبراهيم من النار كما لو كان يخرج من *ديقة. وتصاعدت صي*ات الدهشة الكافرة. خسروا جولتهم خسارة مريرة وساخرة.

    وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) (الأنبياء)

    لا ي*دثنا القرآن الكريم عن عمر إبراهيم *ين *طم أصنام قومه، لا ي*دثنا عن السن التي كلف فيها بالدعوة إلى الله. ويبدو من استقراء النصوص القديمة أن إبراهيم كان شابا صغيرا *ين فعل ذلك، بدليل قول قومه عنه: (سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ). وكلمة الفتى تطلق على السن التي تسبق العشرين.


    مواجهة عبدة الملوك:

    إن زمن اصطفاء الله تعالى لإبراهيم غير م*دد في القرآن. وبالتالي فن*ن لا نستطيع أن نقطع فيه بجواب نهائي. كل ما نستطيع أن نقطع فيه برأي، أن إبراهيم أقام ال*جة على عبدة التماثيل بشكل قاطع، كما أقامها على عبدة النجوم والكواكب من قبل بشكل *اسم، ولم يبق إلا أن تقام ال*جة على الملوك المتألهين وعبادهم.. وبذلك تقوم ال*جة على جميع الكافرين.

    فذهب إبراهيم عليه السلام لملك متألّه كان في زمانه. وتجاوز القرآن اسم الملك لانعدام أهميته، لكن روي أن الملك المعاصر لإبراهيم كان يلقب (بالنمرود) وهو ملك الآراميين بالعراق. كما تجاوز *قيقة مشاعره، كما تجاوز ال*وار الطويل الذي دار بين إبراهيم وبينه. لكن الله تعالى في كتابه ال*كيم أخبرنا ال*جة الأولى التي أقامها إبراهيم عليه السلام على الملك الطاغية، فقال إبراهيم بهدوء: (رَبِّيَ الَّذِي يُ*ْيِـي وَيُمِيتُ)

    قال الملك: (أَنَا أُ*ْيِـي وَأُمِيتُ) أستطيع أن أ*ضر رجلا يسير في الشارع وأقتله، وأستطيع أن أعفو عن م*كوم عليه بالإعدام وأنجيه من الموت.. وبذلك أكون قادرا على ال*ياة والموت.

    لم يجادل إبراهيم الملك لسذاجة ما يقول. غير أنه أراد أن يثبت للملك أنه يتوهم في نفسه القدرة وهو في ال*قيقة ليس قادرا. فقال إبراهيم: (فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ)

    استمع الملك إلى ت*دي إبراهيم صامتا.. فلما انتهى كلام النبي بهت الملك. أ*س بالعجز ولم يستطع أن يجيب. لقد أثبت له إبراهيم أنه كاذب.. قال له إن الله يأتي بالشمس من المشرق، فهل يستطيع هو أن يأتي بها من المغرب.. إن للكون نظما وقوانين يمشي طبقا لها.. قوانين خلقها الله ولا يستطيع أي مخلوق أن يت*كم فيها. ولو كان الملك صادقا في ادعائه الألوهية فليغير نظام الكون وقوانينه.. ساعتها أ*س الملك بالعجز.. وأخرسه الت*دي. ولم يعرف ماذا يقول، ولا كيف يتصرف. انصرف إبراهيم من قصر الملك، بعد أن بهت الذي كفر.

    هجرة إبراهيم عليه السلام:

    انطلقت شهرة إبراهيم في المملكة كلها. ت*دث الناس عن معجزته ونجاته من النار، وت*دث الناس عن موقفه مع الملك وكيف أخرس الملك فلم يعرف ماذا يقول. واستمر إبراهيم في دعوته لله تعالى. بذل جهده ليهدي قومه، *اول إقناعهم بكل الوسائل، ورغم *به لهم و*رصه عليهم فقد غضب قومه وهجروه، ولم يؤمن معه من قومه سوى امرأة ورجل وا*د. امرأة تسمى سارة، وقد صارت فيما بعد زوجته، ورجل هو لوط، وقد صار نبيا فيما بعد. و*ين أدرك إبراهيم أن أ*دا لن يؤمن بدعوته. قرر الهجرة.

    قبل أن يهاجر، دعا والده للإيمان، ثم تبين لإبراهيم أن والده عدو لله، وأنه لا ينوي الإيمان، فتبرأ منه وقطع علاقته به.

    للمرة الثانية في قصص الأنبياء نصادف هذه المفاجأة. في قصة نو* كان الأب نبيا والابن كافرا، وفي قصة إبراهيم كان الأب كافرا والابن نبيا، وفي القصتين نرى المؤمن يعلن براءته من عدو الله رغم كونه ابنه أو والده، وكأن الله يفهمنا من خلال القصة أن العلاقة الو*يدة التي ينبغي أن تقوم عليها الروابط بين الناس، هي علاقة الإيمان لا علاقة الميلاد والدم.

    خرج إبراهيم عليه السلام من بلده وبدأ هجرته. سافر إلى مدينة تدعى أور. ومدينة تسمى *اران. ثم ر*ل إلى فلسطين ومعه زوجته، المرأة الو*يدة التي آمنت به. وص*ب معه لوطا.. الرجل الو*يد الذي آمن به.

    بعد فلسطين ذهب إبراهيم إلى مصر. وطوال هذا الوقت وخلال هذه الر*لات كلها، كان يدعو الناس إلى عبادة الله، وي*ارب في سبيله، ويخدم الضعفاء والفقراء، ويعدل بين الناس، ويهديهم إلى ال*قيقة وال*ق.

    وتأتي بعض الروايات لتبين قصة إبراهيم عليه السلام وزوجته سارة وموقفهما مع ملك مصر. فتقول:

    وصلت الأخبار لملك مصر بوصول رجل لمصر معه أمرأة هي أجمل نساء الأرض. فطمع بها. وأرسل جنوده ليأتونه بهذه المرأة. وأمرهم بأن يسألوا عن الرجل الذي معها، فإن كان زوجها فليقتلوه. فجاء الو*ي لإبراهيم عليه السلام بذلك. فقال إبراهيم -عليه السلام- لسارة إن سألوك عني فأنت أختي -أي أخته في الله-، وقال لها ما على هذه الأرض مؤمن غيري وغيرك -فكل أهل مصر كفرة، ليس فيها مو*د لله عز وجل. فجاء الجنود وسألوا إبراهيم: ما تكون هذه منك؟ قال: أختي.

    لنقف هنا قليلا.. قال إبراهيم *ينما قال لقومه (إني سقيم) و (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوه) و (هي أختي). كلها كلمات ت*تمل التاويل. لكن مع هذا كان إبراهيم عليه السلام خائفا جدا من *سابه على هذه الكلمات يوم القايمة. فعندما يذهب البشر له يوقم القيامة ليدعوا الله أن يبدأ ال*ساب يقول لهم لا إني كذب على ربي ثلاث مرات.

    ونجد أن البشر الآن يكذبون أمام الناس من غير است*ياء ولا خوف من خالقهم.

    لما عرفت سارة أن ملك مصر فاجر ويريدها له أخذت تدعوا الله قائلة: اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأ*صنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر.

    فلما أدخلوها عليه. مد يده إليها ليلمسها فشلّ وتجمدت يده في مكانها، فبدأ بالصراخ لأنه لم يعد يستطيع ت*ريكها، وجاء أعوانه لمساعدته لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء. فخافت سارة على نفسها أن يقتلوها بسبب ما فعلته بالملك. فقالت: يا رب اتركه لا يقتلوني به. فاستجاب الله لدعائها.

    لكن الملك لم يتب وظن أن ما *دث كان أمرا عابرا وذهب. فهجم عليها مرة أخرى. فشلّ مرة ثانية. فقال: فكيني. فدعت الله تعالى فَفَكّه. فمد يده ثالثة فشلّ. فقال: فكيني وأطلقك وأكرمك. فدعت الله سب*انه وتعالى فَفُك. فصرخ الملك بأعوانه: أبعدوها عني فإنكم لم تأتوني بإنسان بل أتيتموني بشيطان.

    فأطلقها وأعطاها شيئا من الذهب، كما أعطاها أَمَةً اسمها "هاجر".

    هذه الرواية مشهورة عن دخول إبراهيم -عليه السلام- لمصر.

    وكانت زوجته سارة لا تلد. وكان ملك مصر قد أهداها سيدة مصرية لتكون في خدمتها، وكان إبراهيم قد صار شيخا، وابيض شعره من خلال عمر أبيض أنفقه في الدعوة إلى الله، وفكرت سارة إنها وإبراهيم و*يدان، وهي لا تنجب أولادا، ماذا لو قدمت له السيدة المصرية لتكون زوجة لزوجها؟ وكان اسم المصرية "هاجر". وهكذا زوجت سارة سيدنا إبراهيم من هاجر، وولدت هاجر ابنها الأول فأطلق والده عليه اسم "إسماعيل". كان إبراهيم شيخا *ين ولدت له هاجر أول أبنائه إسماعيل.

    ولسنا نعرف أبعاد المسافات التي قطعها إبراهيم في ر*لته إلى الله. كان دائما هو المسافر إلى الله. سواء استقر به المقام في بيته أو *ملته خطواته سائ*ا في الأرض. مسافر إلى الله يعلم إنها أيام على الأرض وبعدها يجيء الموت ثم ينفخ في الصور وتقوم قيامة الأموات ويقع البعث.


    ---
    إ*ياء الموتى:

    ملأ اليوم الآخر قلب إبراهيم بالسلام وال*ب واليقين. وأراد أن يرى يوما كيف ي*يي الله عز وجل الموتى. *كى الله هذا الموقف في سورة (البقرة).. قال تعالى:

    وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُ*ْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي

    لا تكون هذه الرغبة في طمأنينة القلب مع الإيمان إلا درجة من درجات ال*ب لله.

    قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ *َكِيمٌ

    فعل إبراهيم ما أمره به الله. ذب* أربعة من الطير وفرق أجزاءها على الجبال. ودعاها باسم الله فنهض الريش يل*ق بجنا*ه، وب*ثت الصدور عن رؤوسها، وتطايرت أجزاء الطير مندفعة ن*و الالت*ام، والتقت الضلوع بالقلوب، وسارعت الأجزاء الذبي*ة للالتئام، ودبت ال*ياة في الطير، وجاءت طائرة مسرعة ترمي بنفسها في أ*ضان إبراهيم. اعتقد بعض المفسرين إن هذه التجربة كانت *ب استطلاع من إبراهيم. واعتقد بعضهم أنه أراد أن يرى يد ذي الجلال الخالق وهي تعمل، فلم ير الأسلوب وإن رأى النتيجة. واعتقد بعض المفسرين أنه اكتفى بما قاله له الله ولم يذب* الطير. ونعتقد أن هذه التجربة كانت درجة من درجات ال*ب قطعها المسافر إلى الله. إبراهيم

    ر*لة إبراهيم مع هاجر وإسماعيل لوادي مكة:

    استيقظ إبراهيم يوما فأمر زوجته هاجر أن ت*مل ابنها وتستعد لر*لة طويلة. وبعد أيام بدأت ر*لة إبراهيم مع زوجته هاجر ومعهما ابنهما إسماعيل. وكان الطفل رضيعا لم يفطم بعد. وظل إبراهيم يسير وسط أرض مزروعة تأتي بعدها ص*راء تجيء بعدها جبال. *تى دخل إلى ص*راء الجزيرة العربية، وقصد إبراهيم واديا ليس فيه زرع ولا ثمر ولا شجر ولا طعام ولا مياه ولا شراب. كان الوادي يخلو تماما من علامات ال*ياة. وصل إبراهيم إلى الوادي، وهبط من فوق ظهر دابته. وأنزل زوجته وابنه وتركهما هناك، ترك معهما جرابا فيه بعض الطعام، وقليلا من الماء. ثم استدار وتركهما وسار.

    أسرعت خلفه زوجته وهي تقول له: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه شيء؟

    لم يرد عليها سيدنا إبراهيم. ظل يسير. عادت تقول له ما قالته وهو صامت. أخيرا فهمت أنه لا يتصرف هكذا من نفسه. أدركت أن الله أمره بذلك وسألته: هل الله أمرك بهذا؟ قال إبراهيم عليه السلام: نعم.

    قالت زوجته المؤمنة العظيمة: لن نضيع ما دام الله معنا وهو الذي أمرك بهذا. وسار إبراهيم *تى إذا أخفاه جبل عنهما وقف ورفع يديه الكريمتين إلى السماء ورا* يدعو الله: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُ*َرَّمِ).

    لم يكن بيت الله قد أعيد بناؤه بعد، لم تكن الكعبة قد بنيت، وكانت هناك *كمة عليا في هذه التصرفات الغامضة، فقد كان إسماعيل الطفل الذي ترك مع أمه في هذا المكان، كان هذا الطفل هو الذي سيصير مسؤولا مع والده عن بناء الكعبة فيما بعد. وكانت *كمة الله تقضي أن يمتد العمران إلى هذا الوادي، وأن يقام فيه بيت الله الذي نتجه جميعا إليه أثناء الصلاة بوجوهنا.

    ترك إبراهيم زوجته وابنه الرضيع في الص*راء وعاد راجعا إلى كفا*ه في دعوة الله. أرضعت أم إسماعيل ابنها وأ*ست بالعطش. كانت الشمس ملتهبة وساخنة وتثير الإ*ساس بالعطش. بعد يومين انتهى الماء تماما، وجف لبن الأم. وأ*ست هاجر وإسماعيل بالعطش.. كان الطعام قد انتهى هو الآخر. وبدا الموقف صعبا و*رجا للغاية.


    ماء زمزم:
    بدأ إسماعيل يبكي من العطش. وتركته أمه وانطلقت تب*ث عن ماء. را*ت تمشي مسرعة *تى وصلت إلى جبل اسمه "الصفا". فصعدت إليه ورا*ت تب*ث بهما عن بئر أو إنسان أو قافلة. لم يكن هناك شيء. ونزلت مسرعة من الصفا *تى إذا وصلت إلى الوادي را*ت تسعى سعي الإنسان المجهد *تى جاوزت الوادي ووصلت إلى جبل "المروة"، فصعدت إليه ونظرت لترى أ*دا لكنها لم تر أ*دا. وعادت الأم إلى طفلها فوجدته يبكي وقد اشتد عطشه. وأسرعت إلى الصفا فوقفت عليه، وهرولت إلى المروة فنظرت من فوقه. ورا*ت تذهب وتجيء سبع مرات بين الجبلين الصغيرين. سبع مرات وهي تذهب وتعود. ولهذا يذهب ال*جاج سبع مرات ويعودون بين الصفا والمروة إ*ياء لذكريات أمهم الأولى ونبيهم العظيم إسماعيل. عادت هاجر بعد المرة السابعة وهي مجهدة متعبة تلهث. وجلست بجوار ابنها الذي كان صوته قد ب* من البكاء والعطش.

    وفي هذه الل*ظة اليائسة أدركتها ر*مة الله، وضرب إسماعيل بقدمه الأرض وهو يبكي فانفجرت ت*ت قدمه بئر زمزم. وفار الماء من البئر. أنقذت *ياتا الطفل والأم. را*ت الأم تغرف بيدها وهي تشكر الله. وشربت وسقت طفلها وبدأت ال*ياة تدب في المنطقة. صدق ظنها *ين قالت: لن نضيع ما دام الله معنا.

    وبدأت بعض القوافل تستقر في المنطقة. وجذب الماء الذي انفجر من بئر زمزم عديدا من الناس. وبدأ العمران يبسط أجن*ته على المكان.

    الأمر بذب* إسماعيل عليه السلام:

    كبر إسماعيل.. وتعلق به قلب إبراهيم.. جاءه العقب على كبر فأ*به.. وابتلى الله تعالى إبراهيم بلاء عظيما بسبب هذا ال*ب. فقد رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذب* ابنه الو*يد إسماعيل. وإبراهيم يعمل أن رؤيا الأنبياء و*ي.

    انظر كيف يختبر الله عباده. تأمل أي نوع من أنواع الاختبار. ن*ن أمام نبي قلبه أر*م قلب في الأرض. اتسع قلبه ل*ب الله و*ب من خلق. جاءه ابن على كبر.. وقد طعن هو في السن ولا أمل هناك في أن ينجب. ثم ها هو ذا يستسلم للنوم فيرى في المنام أنه يذب* ابنه وبكره وو*يده الذي ليس له غيره.

    أي نوع من الصراع نشب في نفسه. يخطئ من يظن أن صراعا لم ينشأ قط. لا يكون بلاء مبينا هذا الموقف الذي يخلو من الصراع. نشب الصراع في نفس إبراهيم.. صراع أثارته عاطفة الأبوة ال*انية. لكن إبراهيم لم يسأل عن السبب وراء ذب* ابنه. فليس إبراهيم من يسأل ربه عن أوامره.

    فكر إبراهيم في ولده.. ماذا يقول عنه إذا أرقده على الأرض ليذب*ه.. الأفضل أن يقول لولده ليكون ذلك أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قهرا ويذب*ه قهرا. هذا أفضل.. انتهى الأمر وذهب إلى ولده (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَ*ُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى). انظر إلى تلطفه في إبلاغ ولده، وترك الأمر لينظر فيه الابن بالطاعة.. إن الأمر مقضي في نظر إبراهيم لأنه و*ي من ربه.. فماذا يرى الابن الكريم في ذلك؟ أجاب إسماعيل: هذا أمر يا أبي فبادر بتنفيذه (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ). تأمل رد الابن.. إنسان يعرف أنه سيذب* فيمتثل للأمر الإلهي ويقدم المشيئة ويطمئن والده أنه سيجده (إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ). هو الصبر على أي *ال وعلى كل *ال.. وربما استعذب الابن أن يموت ذب*ا بأمر من الله.. ها هو ذا إبراهيم يكتشف أن ابنه ينافسه في *ب الله. لا نعرف أي مشاعر جاشت في نفس إبراهيم بعد استسلام ابنه الصابر.

    ينقلنا ال*ق نقلة خاطفة فإذا إسماعيل راقد على الأرض، وجهه في الأرض ر*مة به كيلا يرى نفسه وهو يذب*. وإذا إبراهيم يرفع يده بالسكين.. وإذا أمر الله مطاع. (فَلَمَّا أَسْلَمَا) استخدم القرآن هذا التعبير.. (فَلَمَّا أَسْلَمَا) هذا هو الإسلام ال*قيقي.. تعطي كل شيء، فلا يتبقى منك شيء.

    عندئذ فقط.. وفي الل*ظة التي كان السكين فيها يتهيأ لإمضاء أمره.. نادى الله إبراهيم.. انتهى اختباره، وفدى الله إسماعيل بذب* عظيم - وصار اليوم عيدا لقوم لم يولدوا بعد، هم المسلمون. صارت هذه الل*ظات عيدا للمسلمين. عيدا يذكرهم بمعنى الإسلام ال*قيقي الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل.

    ومضت قصة إبراهيم. ترك ولده إسماعيل وعاد يضرب في أرض الله داعيا إليه، خليلا له و*ده. ومرت الأيام. كان إبراهيم قد هاجر من أرض الكلدانيين مسقط رأسه في العراق وعبر الأردن وسكن في أرض كنعان في البادية. ولم يكن إبراهيم ينسى خلال دعوته إلى الله أن يسأل عن أخبار لوط مع قومه، وكان لوط أول من آمن به، وقد أثابه الله بأن بعثه نبيا إلى قوم من الفاجرين العصاة.






    الى التكمله:4 قصص الانبياء


  4. #4
    Date d'inscription
    mars 2011
    Localisation
    مصر
    Messages
    2 800
    Pouvoir de réputation
    9


    تكملة :4 قصص الانبياء







    تكملة :4 قصص الانبياء

    البشرى بإس*اق:


    كان إبراهيم جالس لو*ده. في هذه الل*ظة، هبطت على الأرض أقدام ثلاثة من الملائكة: جبريل وإسرافيل وميكائيل. يتشكلون في صور بشرية من الجمال الخارق. ساروا صامتين. مهمتهم مزودجة. المرور على إبراهيم وتبشيره. ثم زيارة قوم لوط ووضع *د لجرائمهم.

    سار الملائكة الثلاثة قليلا. ألقى أ*دهم *صاة أمام إبراهيم. رفع إبراهيم رأسه.. تأمل وجوههم.. لا يعرف أ*دا فيهم. بادروه بالت*ية. قالوا: سلاما. قال: سلام.

    نهض إبراهيم ور*ب بهم. أدخلهم بيته وهو يظن أنهم ضيوف وغرباء. أجلسهم واطمأن أنهم قد اطمأنوا، ثم استأذن وخرج. راغ إلى أهله.

    نهضت زوجته سارة *ين دخل عليها. كانت عجوزا قد ابيض شعرها ولم يعد يتوهج بالشباب فيها غير وميض الإيمان الذي يطل من عينيها.

    قال إبراهيم لزوجته: زارنا ثلاثة غرباء.

    سألته: من يكونون؟

    قال: لا أعرف أ*دا فيهم. وجوه غريبة على المكان. لا ريب أنهم من مكان بعيد، غير أن ملابسهم لا تشي بالسفر الطويل. أي طعام جاهز لدينا؟

    قالت: نصف شاة.

    قال وهو يهم بالانصراف: نصف شاة.. اذب*ي لهم عجلا سمينا. هم ضيوف وغرباء. ليست معهم دواب أو أ*مال أو طعام. ربما كانوا جوعى وربما كانوا فقراء.

    اختار إبراهيم عجلا سمينا وأمر بذب*ه، فذكروا عليه اسم الله وذب*وه. وبدأ شواء العجل على ال*جارة الساخنة. وأعدت المائدة. ودعا إبراهيم ضيوفه إلى الطعام. أشار إبراهيم بيده أن يتفضلوا باسم الله، وبدأ هو يأكل ليشجعهم. كان إبراهيم كريما يعرف أن الله لا يتخلى عن الكرماء وربما لم يكن في بيته غير هذا العجل، وضيوفه ثلاثة ونصف شاة يكفيهم ويزيد، غير أنه كان سيدا عظيم الكرم. را* إبراهيم يأكل ثم استرق النظر إلى ضيوفه ليطمئن أنهم يأكلون. لا*ظ أن أ*دا لا يمد يده إلى الطعام. قرب إليهم الطعام وقال: ألا تأكلون؟ عاد إلى طعامه ثم اختلس إليهم نظرة فوجدهم لا يأكلون.. رأى أيديهم لا تصل إلى الطعام. عندئذ (أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً). في تقاليد البادية التي عاش فيها إبراهيم، كان معنى امتناع الضيوف عن الأكل أنهم يقصدون شرا بصا*ب البيت.

    ولا*ظ إبراهيم بينه وبين نفسه أكثر من ملا*ظة تؤيد غرابة ضيوفه. لا*ظ أنهم دخلوا عليه فجأة. لم يرهم إلا وهم عند رأسه. لم يكن معهم دواب ت*ملهم، لم تكن معهم أ*مال. وجوههم غريبة تماما عليه. كانوا مسافرين وليس عليهم أثر لتراب السفر. ثم ها هو ذا يدعوهم إلى طعامه فيجلسون إلى المائدة ولا يأكلون. ازداد خوف إبراهيم.

    كان الملائكة يقرءون أفكاره التي تدور في نفسه، دون أن يشي بها وجهه. قال له أ*د الملائكة: (لاَ تَخَفْ). رفع إبراهيم رأسه وقال بصدق عظيم وبراءة: اعترف إنني خائف. لقد دعوتكم إلى الطعام ور*بت بكم، ولكنكم لا تمدون أيديكم إليه.. هل تنوون بي شرا؟

    ابتسم أ*د الملائكة وقال: ن*ن لا نأكل يا إبراهيم.. ن*ن ملائكة الله.. وقد (أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ)

    ض*كت زوجة إبراهيم.. كانت قائمة تتابع ال*وار بين زوجها وبينهم، فض*كت.

    التفت إليها أ*د الملائكة وبشرها بإس*اق.

    صكت العجوز وجهها تعجبا:

    قَالَت يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) (هود)

    عاد أ*د الملائكة يقول لها:

    وَمِن وَرَاء إِسْ*َقَ يَعْقُوبَ

    جاشت المشاعر في قلب إبراهيم وزوجته. شف جو ال*جرة وانس*ب خوف إبراهيم وا*تل قلبه نوع من أنواع الفر* الغريب المختلط. كانت زوجته العاقر تقف هي الأخرى وهي ترتجف. إن بشارة الملائكة تهز رو*ها هزا عميقا. إنها عجوز عقيم وزوجها شيخ كبير. كيف؟! كيف يمكن؟!

    وسط هذا الجو الندي المضطرب تساءل إبراهيم:

    أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) (ال*جر)

    أكان يريد أن يسمع البشارة مرة أخرى؟ أكان يريد أن يطمئن قلبه ويسمع للمرة الثانية منة الله عليه؟ أكان ما بنفسه شعورا بشريا يريد أن يستوثق؟ ويهتز بالفر* مرتين بدلا من مرة وا*دة؟ أكد له الملائكة أنهم بشروه بال*ق.

    قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْ*َقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ (55) (ال*جر)

    قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّ*ْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ (ال*جر)

    لم يفهم الملائكة إ*ساسه البشري، فنوه عن أن يكون من القانطين، وأفهمهم أنه ليس قانطا.. إنما هو الفر*.

    لم تكن البشرى شيئا بسيطا في *ياة إبراهيم وزوجته. لم يكن لإبراهيم غير ولد وا*د هو إسماعيل، تركه هناك بعيدا في الجزيرة العربية. ولم تكن زوجته سارة قد أنجبت خلال عشرتها الطويلة لإبراهيم، وهي التي زوجته من جاريتها هاجر. ومن هاجر جاء إسماعيل. أما سارة، فلم يكن لها ولد. وكان *نينها إلى الولد عظيما، لم يطفئ مرور الأيام من توهجه. ثم دخلت شيخوختها وا*تضر *لمها ومات. كانت تقول: إنها مشيئة الله عز وجل.

    هكذا أراد الله لها. وهكذا أراد لزوجها. ثم ها هي ذي في مغيب العمر تتلقى البشارة. ستلد غلاما. ليس هذا ف*سب، بشرتها الملائكة بأن ابنها سيكون له ولد تشهد مولده وتشهد *ياته. لقد صبرت طويلا ثم يئست ثم نسيت. ثم يجيء جزاء الله مفاجأة تم*و هذا كله في ل*ظة.

    فاضت دموعها وهي تقف. وأ*س إبراهيم عليه الصلاة والسلام بإ*ساس م*ير. جاشت نفسه بمشاعر الر*مة والقرب، وعاد ي*س بأنه إزاء نعمة لا يعرف كيف يوفيها *قها من الشكر. وخرّ إبراهيم ساجدا على وجهه.

    انتهى الأمر واستقرت البشرى في ذهنيهما معا. نهض إبراهيم من سجوده وقد ذهب عنه خوفه، واطمأنت *يرته، وغادره الروع، وسكنت قلبه البشرى التي *ملوها إليه. وتذكر أنهم أرسلوا إلى قوم لوط. ولوط ابن أخيه الناز* معه من مسقط رأسه، والساكن على مقربة منه. وإبراهيم يعرف معنى إرسال الملائكة إلى لوط وقومه. هذا معناه وقوع عذاب مروع. وطبيعة إبراهيم الر*يمة الودودة لا تجعله يطيق هلاك قوم في تسليم. ربما رجع قوم لوط وأقلعوا وأسلموا أجابوا رسولهم.

    وبدأ إبراهيم يجادل الملائكة في قوم لوط. *دثهم عن ا*تمال إيمانهم ورجوعهم عن طريق الفجور، وأفهمه الملائكة أن هؤلاء قوم مجرمون. وأن مهمتهم هي إرسال *جارة من طين مسومة من عند ربك للمسرفين. وعاد إبراهيم، بعد أن سد الملائكة باب هذا ال*وار، عاد ي*دثهم عن المؤمنين من قوم لوط. فقالت الملائكة: ن*ن أعلم بمن فيها. ثم أفهموه أن الأمر قد قضي. وإن مشيئة الله تبارك وتعالى قد اقتضت نفاذ الأمر وهلاك قوم لوط. أفهموا إبراهيم أن عليه أن يعرض عن هذا ال*وار. ليوفر *لمه ور*مته. لقد جاء أمر ربه. وتقرر عليهم (عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ) عذاب لن يرده جدال إبراهيم. كانت كلمة الملائكة إيذانا بنهاية الجدال.. سكت إبراهيم. وتوجهت الملائكة لقوم لوط عليه السلام.


    سنورد قصة بناء بيت الله تعالى في قصة إسماعيل عليه السلام


    ---
    لوط عليه السلام

    نبذة:

    أرسله الله ليهدي قومه ويدعوهم إلى عبادة الله، وكانوا قوما ظالمين يأتون الفوا*ش ويعتدون على الغرباء وكانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء فلما دعاهم لوط لترك المنكرات أرادوا أن يخرجوه هو وقومه فلم يؤمن به غير بعض من آل بيته، أما امرأته فلم تؤمن ولما يئس لوط دعا الله أن ينجيهم ويهلك المفسدين فجاءت له الملائكة وأخرجوا لوط ومن آمن به وأهلكوا الآخرين ب*جارة مسومة.

    سيرته:

    *ال قوم لوط:

    دعى لوط قومه إلى عبادة الله و*ده لا شريك له، ونهاهم عن كسب السيئات والفوا*ش. واصطدمت دعوته بقلوب قاسية وأهواء مريضة ورفض متكبر. و*كموا على لوط وأهله بالطرد من القرية. فقد كان القوم الذين بعث إليهم لوط يرتكبون عددا كبيرا من الجرائم البشعة. كانوا يقطعون الطريق، ويخونون الرفيق، ويتواصون بالإثم، ولا يتناهون عن منكر، وقد زادوا في سجل جرائمهم جريمة لم يسبقهم بها أ*د من العالمين. كانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء.

    لقد اختلت المقاييس عند قوم لوط.. فصار الرجال أهدافا مرغوبة بدلا من النساء، وصار النقاء والطهر جريمة تستوجب الطرد.. كانوا مرضى يرفضون الشفاء ويقاومونه.. ولقد كانت تصرفات قوم لوط ت*زن قلب لوط.. كانوا يرتكبون جريمتهم علانية في ناديهم.. وكانوا إذا دخل المدينة غريب أو مسافر أو ضيف لم ينقذه من أيديهم أ*د.. وكانوا يقولون للوط: استضف أنت النساء ودع لنا الرجال.. واستطارت شهرتهم الوبيلة، وجاهدهم لوط جهادا عظيما، وأقام عليهم *جته، ومرت الأيام والشهور والسنوات، وهو ماض في دعوته بغير أن يؤمن له أ*د.. لم يؤمن به غير أهل بيته.. *تى أهل بيته لم يؤمنوا به جميعا. كانت زوجته كافرة.

    وزاد الأمر بأن قام الكفرة بالاستهزاء برسالة لوط عليه السلام، فكانوا يقولون: (ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ). فيئس لوط منهم، ودعا الله أن ينصره ويهلك المفسدين

    ذهاب الملائكة لقوم لوط:

    خرج الملائكة من عند إبراهيم قاصدين قرية لوط.. بلغوا أسوار سدوم.. وابنة لوط واقفة تملأ وعاءها من مياه النهر.. رفعت وجهها فشاهدتهم.. فسألها أ*د الملائكة: يا جارية.. هل من منزل؟

    قالت [وهي تذكر قومها]: مكانكم لا تدخلوا *تى أخبر أبي وآتيكم.. أسرعت ن*و أبيها فأخبرته. فهرع لوط يجري ن*و الغرباء. فلم يكد يراهم *تى (سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ) سألهم: من أين جاءوا؟ .. وما هي وجهتهم؟.. فصمتوا عن إجابته. وسألوه أن يضيفهم.. است*ى منهم وسار أمامهم قليلا ثم توقف والتفت إليهم يقول: لا أعلم على وجه الأرض أخبث من أهل هذا البلد.

    قال كلمته ليصرفهم عن المبيت في القرية، غير أنهم غضوا النظر عن قوله ولم يعلقوا عليه، وعاد يسير معهم ويلوي عنق ال*ديث ويقسره قسرا ويمضي به إلى أهل القرية - *دثهم أنهم خبثاء.. أنهم يخزون ضيوفهم.. *دثهم أنهم يفسدون في الأرض. وكان الصراع يجري داخله م*اولا التوفيق بين أمرين.. صرف ضيوفه عن المبيت في القرية دون إ*راجهم، وبغير إخلال بكرم الضيافة.. عبثا *اول إفهامهم والتلمي* لهم أن يستمروا في ر*لتهم، دون نزول بهذه القرية.

    سقط الليل على المدينة.. ص*ب لوط ضيوفه إلى بيته.. لم يرهم من أهل المدينة أ*د.. لم تكد زوجته تشهد الضيوف *تى تسللت خارجة بغير أن تشعره. أسرعت إلى قومها وأخبرتهم الخبر.. وانتشر الخبر مثل النار في الهشيم. وجاء قوم لوط له مسرعين.. تساءل لوط بينه وبين نفسه: من الذي أخبرهم؟.. وقف القوم على باب البيت.. خرج إليهم لوط متعلقا بأمل أخير، وبدأ بوعظهم:

    (هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ).. قال لهم: أمامكم النساء -زوجاتكم- هن أطهر.. فهن يلبين الفطرة السوية.. كما أن الخالق -جلّ في علاه- قد هيّئهن لهذا الأمر.

    (فَاتَّقُواْ اللّهَ).. يلمس نفوسهم من جانب التقوى بعد أن لمسها من جانب الفطرة.. اتقوا الله وتذكروا أن الله يسمع ويرى.. ويغضب ويعاقب وأجدر بالعقلاء اتقاء غضبه.

    (وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي).. هي م*اولة يائسة لِلَمْس نخوتهم وتقاليدهم. و ينبغي عليهم إكرام الضيف لا فض*ه.

    (أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ).. أليس فيكم رجل عاقل؟.. إن ما تريدونه -لو ت*قق- هو عين الجنون.

    إلا أن كلمات لوط عليه السلام لم تلمس الفطرة المن*رفة المريضة، ولا القلب الجامد الميت، ولا العقل المريض الأ*مق.. ظلت الفورة الشاذة على اندفاعها.

    أ*س لوط بضعفه وهو غريب بين القوم.. ناز* إليهم من بعيد بغير عشيرة ت*ميه، ولا أولاد ذكور يدافعون عنه.. دخل لوط غاضبا وأغلق باب بيته.. كان الغرباء الذين استضافهم يجلسون هادئين صامتين.. فدهش لوط من هدوئهم.. وازدادت ضربات القوم على الباب.. وصرخ لوط في ل*ظة يأس خانق: (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ) تمنى أن تكون له قوة تصدهم عن ضيفه.. وتمنى لو كان له ركن شديد ي*تمي فيه ويأوي إليه.. غاب عن لوط في شدته وكربته أنه يأوي إلى ركن شديد.. ركن الله الذي لا يتخلى عن أنبيائه وأوليائه.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ هذه الآية: "ر*مة الله على لوط.. كان يأوي إلى ركن شديد".


    هلاك قوم لوط:
    عندما بلغ الضيق ذروته.. وقال النبي كلمته.. ت*رك ضيوفه ونهضوا فجأة.. أفهموه أنه يأوي إلى ركن شديد.. فقالوا له لا تجزع يا لوط ولا تخف.. ن*ن ملائكة.. ولن يصل إليك هؤلاء القوم.. ثم نهض جبريل، عليه السلام، وأشار بيده إشارة سريعة، ففقد القوم أبصارهم.

    التفتت الملائكة إلى لوط وأصدروا إليه أمرهم أن يص*ب أهله أثناء الليل ويخرج.. سيسمعون أصواتا مروعة تزلزل الجبال.. لا يلتفت منهم أ*د.. كي لا يصيبه ما يصيب القوم.. أي عذاب هذا؟.. هو عذاب من نوع غريب، يكفي لوقوعه بالمرء مجرد النظر إليه.. أفهموه أن امرأته كانت من الغابرين.. امرأته كافرة مثلهم وستلتفت خلفها فيصيبها ما أصابهم.

    سأل لوط الملائكة: أينزل الله العذاب بهم الآن.. أنبئوه أن موعدهم مع العذاب هو الصب*.. (أَلَيْسَ الصُّبْ*ُ بِقَرِيبٍ)؟

    خرج لوط مع بناته وزوجته.. ساروا في الليل وغذوا السير.. واقترب الصب*.. كان لوط قد ابتعد مع أهله.. ثم جاء أمر الله تعالى.. قال العلماء: اقتلع جبريل، عليه السلام، بطرف جنا*ه مدنهم السبع من قرارها البعيد.. رفعها جميعا إلى عنان السماء *تى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونبا* كلابهم، قلب المدن السبع وهوى بها في الأرض.. أثناء السقوط كانت السماء تمطرهم ب*جارة من الج*يم.. *جارة صلبة قوية يتبع بعضها بعضا، ومعلمة بأسمائهم، ومقدرة عليهم.. استمر الج*يم يمطرهم.. وانتهى قوم لوط تماما.. لم يعد هناك أ*د.. نكست المدن على رؤوسها، وغارت في الأرض، *تى انفجر الماء من الأرض.. هلك قوم لوط وم*يت مدنهم.

    كان لوط يسمع أصوات مروعة.. وكان ي*اذر أن يلتفت خلفه.. نظرت زوجته ن*و مصدر الصوت فانتهت.. تهرأ جسدها وتفتت مثل عمود ساقط من المل*.

    قال العلماء: إن مكان المدن السبع.. ب*يرة غريبة.. ماؤها أجاج.. وكثافة الماء أعظم من كثافة مياه الب*ر المل*ة.. وفي هذه الب*يرة صخور معدنية ذائبة.. تو*ي بأن هذه ال*جارة التي ضرب بها قوم لوط كانت شهبا مشعلة. يقال إن الب*يرة ال*الية التي نعرفها باسم "الب*ر الميت" في فلسطين.. هي مدن قوم لوط السابقة.

    انطوت صف*ة قوم لوط.. انم*ت مدنهم وأسمائهم من الأرض.. سقطوا من ذاكرة ال*ياة والأ*ياء.. وطويت صف*ة من صف*ات الفساد.. وتوجه لوط إلى إبراهيم.. زار إبراهيم وقص عليه نبأ قومه.. وأدهشه أن إبراهيم كان يعلم.. ومضى لوط في دعوته إلى الله.. مثلما مضى ال*ليم الأواه المنيب إبراهيم في دعوته إلى الله.. مضى الاثنان ينشران الإسلام في الأرض.

    ---
    إسماعيل عليه السلام

    نبذة:


    هو ابن إبراهيم البكر وولد السيدة هاجر، سار إبراهيم بهاجر - بأمر من الله - *تى وضعها وابنها في موضع مكة وتركهما ومعهما قليل من الماء والتمر ولما نفد الزاد جعلت السيدة هاجر تطوف هنا وهناك *تى هداها الله إلى ماء زمزم ووفد عليها كثير من الناس *تى جاء أمر الله لسيدنا إبراهيم ببناء الكعبة ورفع قواعد البيت، فجعل إسماعيل يأتي بال*جر وإبراهيم يبني *تى أتما البناء ثم جاء أمر الله بذب* إسماعيل *يث رأى إبراهيم في منامه أنه يذب* ابنه فعرض عليه ذلك فقال "يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين" ففداه الله بذب* عظيم، كان إسماعيل فارسا فهو أول من استأنس الخيل وكان صبورا *ليما، يقال إنه أول من ت*دث بالعربية البينة وكان صادق الوعد، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وكان ينادي بعبادة الله وو*دانيته.


    سيرته:

    الاختبار الأول:
    ذكر الله في كتابه الكريم، ثلاث مشاهد من *ياة إسماعيل عليه السلام. كل مشهد عبارة عن م*نة واختبار لكل من إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. أول هذه المشاهد هو أمر الله سب*انه وتعالى لإبراهيم بترك إسماعيل وأمه في واد مقفر، لا ماء فيه ولا طعام. فما كان من إبراهيم عليه السلام إلا الاستجابة لهذا الأمر الرباني. وهذا بخلاف ما ورد في الإسرائيليات من أن إبراهيم *مل ابنه وزوجته لوادي مكة لأن سارة -زوجة إبراهيم الأولى- اضطرته لذلك من شدة غيرتها من هاجر. فالمتأمل لسيرة إبراهيم عليه السلام، سيجد أنه لم يكن ليتلقّى أوامره من أ*د غير الله.

    أنزل زوجته وابنه وتركهما هناك، ترك معهما جرابا فيه بعض الطعام، وقليلا من الماء. ثم استدار وتركهما وسار.

    أسرعت خلفه زوجته وهي تقول له: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه شيء؟

    لم يرد عليها سيدنا إبراهيم وظل يسير.. عادت تقول له ما قالته وهو صامت.. أخيرا فهمت أنه لا يتصرف هكذا من نفسه.. أدركت أن الله أمره بذلك فسألته: هل الله أمرك بهذا؟

    فقال إبراهيم عليه السلام: نعم.

    قالت زوجته المؤمنة العظيمة: لن نضيع ما دام الله معنا وهو الذي أمرك بهذا.

    وسار إبراهيم *تى إذا أخفاه جبل عنهما وقف ورفع يديه الكريمتين إلى السماء ورا* يدعو الله:

    رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُ*َرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37) (إبراهيم)

    لم يكن بيت الله قد أعيد بناؤه بعد، لم تكن الكعبة قد بنيت، وكانت هناك *كمة عليا في أمر الله سب*انه لإبراهيم، فقد كان إسماعيل -الطفل الذي تُرِكَ مع أمه في هذا المكان- ووالده من سيكونان المسؤولان بناء الكعبة فيما بعد.. وكانت *كمة الله تقضي أن يسكن أ*د في هذا الوادي، لميتد إليه العمران.

    بعد أن ترك إبراهيم زوجته وابنه الرضيع في الص*راء بأيام نفد الماء وانتهى الطعام، وجف لبن الأم.. وأ*ست هاجر وإسماعيل بالعطش.

    بدأ إسماعيل يبكي من العطش.. فتركته أمه وانطلقت تب*ث عن ماء.. را*ت تمشي مسرعة *تى وصلت إلى جبل اسمه "الصفا".. فصعدت إليه ورا*ت تب*ث به عن بئر أو إنسان أو قافلة.. لم يكن هناك شيء. ونزلت مسرعة من الصفا *تى إذا وصلت إلى الوادي را*ت تسعى سعي الإنسان المجهد *تى جاوزت الوادي ووصلت إلى جبل "المروة"، فصعدت إليه ونظرت لترى أ*دا لكنها لم تر أ*دا. وعادت الأم إلى طفلها فوجدته يبكي وقد اشتد عطشه.. وأسرعت إلى الصفا فوقفت عليه، وهرولت إلى المروة فنظرت من فوقه.. ورا*ت تذهب وتجيء سبع مرات بين الجبلين الصغيرين.. سبع مرات وهي تذهب وتعود - ولهذا يذهب ال*جاج سبع مرات ويعودون بين الصفا والمروة إ*ياء لذكريات أمهم الأولى ونبيهم العظيم إسماعيل. عادت هاجر بعد المرة السابعة وهي مجهدة متعبة تلهث.. وجلست بجوار ابنها الذي كان صوته قد ب* من البكاء والعطش.

    وفي هذه الل*ظة اليائسة أدركتها ر*مة الله، وضرب إسماعيل بقدمه الأرض وهو يبكي فانفجرت ت*ت قدمه بئر زمزم.. وفار الماء من البئر.. أنقذت *ياتا الطفل والأم.. را*ت الأم تغرف بيدها وهي تشكر الله.. وشربت وسقت طفلها وبدأت ال*ياة تدب في المنطقة.. صدق ظنها *ين قالت: لن نضيع ما دام الله معنا.

    وبدأت بعض القوافل تستقر في المنطقة.. وجذب الماء الذي انفجر من بئر زمزم عديدا من الناس.. وبدأ العمران يبسط أجن*ته على المكان.

    كانت هذه هي الم*نة الاولى.. أما الم*نة الثانية فهي الذب*.


    ---
    [CENTER]الاختبار الثاني:
    كبر إسماعيل.. وتعلق به قلب إبراهيم.. جاءه العقب على كبر فأ*به.. وابتلى الله تعالى إبراهيم بلاء عظيما بسبب هذا ال*ب. فقد رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذب* ابنه الو*يد إسماعيل. وإبراهيم يعمل أن رؤيا الأنبياء و*ي.
    انظر كيف يختبر الله عباده. تأمل أي نوع من أنواع الاختبار. ن*ن أمام نبي قلبه أر*م قلب في الأرض. اتسع قلبه ل*ب الله و*ب من خلق. جاءه ابن على كبر.. وقد طعن هو في السن ولا أمل هناك في أن ينجب. ثم ها هو ذا يستسلم للنوم فيرى في المنام أنه يذب* ابنه وبكره وو*يده الذي ليس له غيره.
    أي نوع من الصراع نشب في نفسه. يخطئ من يظن أن صراعا لم ينشأ قط. لا يكون بلاء مبينا هذا الموقف الذي يخلو من الصراع. نشب الصراع في نفس إبراهيم.. صراع أثارته عاطفة الأبوة ال*انية. لكن إبراهيم لم يسأل عن السبب وراء ذب* ابنه. فليس إبراهيم من يسأل ربه عن أوامره.
    فكر إبراهيم في ولده.. ماذا يقول عنه إذا أرقده على الأرض ليذب*ه.. الأفضل أن يقول لولده ليكون ذلك أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قهرا ويذب*ه قهرا. هذا أفضل.. انتهى الأمر وذهب إلى ولده (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَ*ُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى). انظر إلى تلطفه في إبلاغ ولده، وترك الأمر لينظر فيه الابن بالطاعة.. إن الأمر مقضي في نظر إبراهيم لأنه و*ي من ربه.. فماذا يرى الابن الكريم في ذلك؟ أجاب إسماعيل: هذا أمر يا أبي فبادر بتنفيذه (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ). تأمل رد الابن.. إنسان يعرف أنه سيذب* فيمتثل للأمر الإلهي ويقدم المشيئة ويطمئن والده أنه سيجده (إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ). هو الصبر على أي *ال وعلى كل *ال.. وربما استعذب الابن أن يموت ذب*ا بأمر من الله.. ها هو ذا إبراهيم يكتشف أن ابنه ينافسه في *ب الله. لا نعرف أي مشاعر جاشت في نفس إبراهيم بعد استسلام ابنه الصابر.
    ينقلنا ال*ق نقلة خاطفة فإذا إسماعيل راقد على الأرض، وجهه في الأرض ر*مة به كيلا يرى نفسه وهو يذب*. وإذا إبراهيم يرفع يده بالسكين.. وإذا أمر الله مطاع. (فَلَمَّا أَسْلَمَا) استخدم القرآن هذا التعبير.. (فَلَمَّا أَسْلَمَا) هذا هو الإسلام ال*قيقي.. تعطي كل شيء، فلا يتبقى منك شيء.
    عندئذ فقط.. وفي الل*ظة التي كان السكين فيها يتهيأ لإمضاء أمره.. نادى الله إبراهيم.. انتهى اختباره، وفدى الله إسماعيل بذب* عظيم - وصار اليوم عيدا لقوم لم يولدوا بعد، هم المسلمون. صارت هذه الل*ظات عيدا للمسلمين. عيدا يذكرهم بمعنى الإسلام ال*قيقي الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل.
    خبر زوجة إسماعيل:
    عاش إسماعيل في شبه الجزيرة العربية ما شاء الله له أن يعيش.. روض الخيل واستأنسها واستخدمها، وساعدت مياه زمزم على سكنى المنطقة وتعميرها. استقرت بها بعض القوافل.. وسكنتها القبائل.. وكبر إسماعيل وتزوج، وزاره إبراهيم فلم يجده في بيته ووجد امرأته.. سألها عن عيشهم و*الهم، فشكت إليه من الضيق والشدة.
    قال لها إبراهيم: إذا جاء زوجك مريه أن يغير عتبة بابه.. فلما جاء إسماعيل، ووصفت له زوجته الرجل.. قال: هذا أبي وهو يأمرني بفراقك.. ال*قي بأهلك.
    وتزوج إسماعيل امرأة ثانية.. زارها إبراهيم، يسألها عن *الها، ف*دثته أنهم في نعمة وخير.. وطاب صدر إبراهيم بهذه الزوجة لابنه.
    الاختبار الثالث:
    وها ن*ن الآن أمام الاختبار الثالث.. اختبار لا يمس إبراهيم وإسماعيل فقط. بل يمس ملايين البشر من بعدهم إلى يوم القيامة.. إنها مهمة أوكلها الله تعالى لهذين النبيين الكريمين.. مهمة بناء بيت الله تعالى في الأرض.
    كبر إسماعيل.. وبلغ أشده.. وجاءه إبراهيم وقال له: يا إسماعيل.. إن الله أمرني بأمر. قال إسماعيل: فاصنع ما أمرك به ربك.. قال إبراهيم: وتعينني؟ قال: وأعينك. فقال إبراهيم: فإن الله أمرني أن ابني هنا بيتا. أشار بيده لص*ن منخفض هناك.
    صدر الأمر ببناء بيت الله ال*رام.. هو أول بيت وضع للناس في الأرض.. وهو أول بيت عبد فيه الإنسان ربه.. ولما كان آدم هو أول إنسان هبط إلى الأرض.. فإليه يرجع فضل بنائه أول مرة.. قال العلماء: إن آدم بناه ورا* يطوف *وله مثلما يطوف الملائكة *ول عرش الله تعالى.
    بنى آدم خيمة يعبد فيها الله.. شيء طبيعي أن يبني آدم -بوصفه نبيا- بيتا لعبادة ربه.. و*فت الر*مة بهذا المكان.. ثم مات آدم ومرت القرون، وطال عليه العهد فضاع أثر البيت وخفي مكانه.. وها هو ذا إبراهيم يتلقى الأمر ببنائه مرة ثانية.. ليظل في المرة الثانية قائما إلى يوم القيامة إن شاء الله. وبدأ بناء الكعبة..
    هدمت الكعبة في التاريخ أكثر من مرة، وكان بناؤها يعاد في كل مرة.. فهي باقية منذ عهد إبراهيم إلى اليوم.. و*ين بعث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ت*قيقا لدعوة إبراهيم.. وجد الرسول الكعبة *يث بنيت آخر مرة، وقد قصر الجهد بمن بناها فلم ي*فر أساسها كما *فره إبراهيم.
    نفهم من هذا إن إبراهيم وإسماعيل بذلا فيها و*دهما جهدا است*الت -بعد ذلك- م*اكاته على عدد كبير من الرجال.. ولقد صر* الرسول بأنه ي*ب هدمها وإعادتها إلى أساس إبراهيم، لولا قرب عهد القوم بالجاهلية، وخشيته أن يفتن الناس هدمها وبناؤها من جديد.. بناؤها ب*يث تصل إلى قواعد إبراهيم وإسماعيل.
    أي جهد شاق بذله النبيان الكريمان و*دهما؟ كان عليهما *فر الأساس لعمق غائر في الأرض، وكان عليهما قطع ال*جارة من الجبال البعيدة والقريبة، ونقلها بعد ذلك، وتسويتها، وبناؤها وتعليتها.. وكان الأمر يستوجب جهد جيل من الرجال، ولكنهما بنياها معا.
    لا نعرف كم هو الوقت الذي استغرقه بناء الكعبة، كما نجهل الوقت الذي استغرقه بناء سفينة نو*، المهم أن سفينة نو* والكعبة كانتا معا ملاذا للناس ومثوبة وأمنا.. والكعبة هي سفينة نو* الثابتة على الأرض أبدا.. وهي تنتظر الراغبين في النجاة من هول الطوفان دائما.
    لم ي*دثنا الله عن زمن بناء الكعبة.. *دثنا عن أمر أخطر وأجدى.. *دثنا عن تجرد نفسية من كان يبنيها.. ودعائه وهو يبنيها:
    وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّ*ِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْ*ِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ ال*َكِيمُ (129) (البقرة)
    إن أعظم مسلمين على وجه الأرض يومها يدعوان الله أن يتقبل عملهما، وأن يجعلهما مسلمين له.. يعرفان أن القلوب بين إصبعين من أصابع الر*من. وتبلغ الر*مة بهما أن يسألا الله أن يخرج من ذريتهما أمة مسلمة له سب*انه.. يريدان أن يزيد عدد العابدين الموجودين والطائفين والركع السجود. إن دعوة إبراهيم وإسماعيل تكشف عن اهتمامات القلب المؤمن.. إنه يبني لله بيته، ومع هذا يشغله أمر العقيدة.. ذلك إي*اء بأن البيت رمز العقيدة. ثم يدعوان الله أن يريهم أسلوب العبادة الذي يرضاه، وأن يتوب عليهم فهو التواب الر*يم. بعدها يتجاوز اهتمامها هذا الزمن الذي يعيشان فيه.. يجاوزانه ويدعوان الله أن يبث رسولا لهؤلاء البشر. وت*ققت هذه الدعوة الأخيرة.. *ين بعث م*مد بن عبد الله، صلى الله عليه وسلم.. ت*ققت بعد أزمنة وأزمنة
    انتهى بناء البيت، وأراد إبراهيم *جرا مميزا، يكون علامة خاصة يبدأ منها الطواف *ول الكعبة.. أمر إبراهيم إسماعيل أن يأتيه ب*جر مميز يختلف عن لون *جارة الكعبة.
    سار إسماعيل ملبيا أمر والده.. *ين عاد، كان إبراهيم قد وضع ال*جر الأسود في مكانه.. فسأله إسماعيل: من الذي أ*ضره إليك يا أبت؟ فأجاب إبراهيم: أ*ضره جبريل عليه السلام.
    انتهى بناء الكعبة.. وبدأ طواف المو*دين والمسلمين *ولها.. ووقف إبراهيم يدعو ربه نفس دعائه من قبل.. أن يجعل أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلى المكان.. انظر إلى التعبير.. إن الهوى يصور ان*دارا لا يقاوم ن*و شيء.. وقمة ذلك هوى الكعبة. من هذه الدعوة ولد الهوى العميق في نفوس المسلمين، رغبة في زيارة البيت ال*رام.
    وصار كل من يزور المسجد ال*رام ويعود إلى بلده.. ي*س أنه يزداد عطشا كلما ازداد ريا منه، ويعمق *نينه إليه كلما بعد منه، وتجيء أوقات ال*ج في كل عام.. فينشب الهوى الغامض أظافره في القلب نزوعا إلى رؤية البيت، وعطشا إلى بئر زمزم.
    قال تعالى *ين جادل المجادلون في إبراهيم وإسماعيل.
    مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ *َنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) (آل عمران)
    عليه الصلاة والسلام.. استجاب الله دعاءه.. وكان إبراهيم أول من سمانا المسلمين.





    الى التكمله 5



  5. #5
    Date d'inscription
    mars 2011
    Localisation
    مصر
    Messages
    2 800
    Pouvoir de réputation
    9


    تكمله :5 قصص الانبياء






    تكمله :5 قصص الانبياء

    إس*اق عليه السلام

    نبذة:

    هو ولد سيدنا إبراهيم من زوجته سارة، وقد كانت البشارة بمولده من الملائكة لإبراهيم وسارة لما مروا بهم مجتازين ذاهبين إلى مدائن قوم لوط ليدمروها عليهم لكفرهم وفجورهم، ذكره الله في القرآن بأنه "غلام عليم" جعله الله نبيا يهدي الناس إلى فعل الخيرات، جاء من نسله سيدنا يعقوب.

    سيرته:
    ذكر الله تعالى عبد إس*اق بالصفات ال*ميدة وجعله نبيًا ورسولا، وبرأه من كل ما نسبه إليه الجاهلون، وأمر الله قومه بالإيمان به كغيره من الأنبياء والرسل، وقد مد* رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي الله إس*اق وأثنى عليه عندما قال( إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن اس*اق بن إبراهيم)). فهؤلاء الأنبياء الأربعة الذين مد*هم رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أنبياء متناسلون، ولا يوجد بين الناس أنبياء متناسلون غيرهم وهم يوسف ويعقوب وإس*اق وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام.

    دعا إس*اق بن إبراهيم عليهما السلام إلى دين الإسلام وإلى عبادة الله و*ده، وأو*ى إليه بشريعة مبنية على الإسلام ليبلغها ويعلمها الناس، وقد أرسله الله تبارك وتعالى إلى الكنعانيين في بلاد الشام وفلسطين الذين عاش بينهم، وقد قيل: إن إبراهيم عليه السلام أوصى ابنه إس*اق ألا يتزوج إلا امرأة من أهل أبيه فتزوج إس*اق رفقة بنت ابن عمه، وكانت عاقرًا لا تنجب فدعا الله لها ف*ملت فولدت غلامين توأمين أ*دهما اسمه العيص، والثاني يعقوب وهو نبي الله إسرائيل.

    قيل إن الله إس*اق عليه السلام عاش مائة وثمانين سنة ومات في *برون وهي قرية في فلسطين وهي مدينة الخليل اليوم *يث كان يسكن إبراهيم عليه السلام، ودفنه ابناه العيص ويعقوب عليه السلام في المغارة التي دفن فيها أبوه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.


    ---
    يوسف عليه السلام
    نبذة:
    ولد سيدنا يوسف وكان له 11 أخا وكان أبوه ي*به كثيرا وفي ذات ليلة رأى أ*د عشر كوكبا والشمس والقمر له ساجدين، فقص على والده ما رأى فقال له ألا يقصها على إخوته، ولكن الشيطان وسوس لإخوته فاتفقوا على أن يلقوه في غيابات الجب وادعوا أن الذئب أكله، ثم مر به ناس من البدو فأخذوه وباعوه بثمن بخس واشتراه عزيز مصر وطلب من زوجته أن ترعاه، ولكنها أخذت تراوده عن نفسه فأبى فكادت له ودخل السجن، ثم أظهر الله براءته وخرج من السجن ، واستعمله الملك على شئون الغذاء التي أ*سن إدارتها في سنوات الق*ط، ثم اجتمع شمله مع إخوته ووالديه وخروا له سجدا وت*ققت رؤياه.
    سيرته:
    قبل أن نبدأ بقصة يوسف عليه السلام، نود الإشارة لعدة أمور. أولها اختلاف طريقة رواية قصة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم عن بقية قصص الأنبياء، فجاءت قصص الأنبياء في عدة سور، بينما جاءت قصة يوسف كاملة في سورة وا*دة. قال تعالى في سورة (يوسف):
    نَ*ْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَ*ْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْ*َيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (يوسف)
    واختلف العلماء لم سميت هذه القصة أ*سن القصص؟ قيل إنها تنفرد من بين قصص القرآن با*توائها على عالم كامل من العبر وال*كم.. وقيل لأن يوسف تجاوز عن إخوته وصبر عليهم وعفا عنهم.. وقيل لأن فيها ذكر الأنبياء والصال*ين، والعفة والغواية، وسير الملوك والممالك، والرجال والنساء، و*يل النساء ومكرهن، وفيها ذكر التو*يد والفقه، وتعبير الرؤيا وتفسيرها، فهي سورة غنية بالمشاهد والانفعالات.. وقيل: إنها سميت أ*سن القصص لأن مآل من كانوا فيها جميعا كان إلى السعادة.
    ومع تقديرنا لهذه الأسباب كلها.. نعتقد أن ثمة سببا مهما يميز هذه القصة.. إنها تمضي في خط وا*د منذ البداية إلى النهاية.. يلت*م مضمونها وشكلها، ويفضي بك لإ*ساس عميق بقهر الله وغلبته ونفاذ أ*كامه رغم وقوف البشر ضدها. (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) هذا ما تثبته قصة يوسف بشكل *اسم، لا ينفي *سمه أنه تم بنعومة وإعجاز.
    لنمضي الآن بقصة يوسف -عليه السلام- ولنقسمها لعدد من الفصول والمشاهد ليسهل علينا تتبع الأ*داث.
    المشهد الأول من فصل طفوله يوسف:
    ذهب يوسف الصبي الصغير لأبيه، و*كى له عن رؤيا رآها. أخبره بأنه رأى في المنام أ*د عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين له. استمع الأب إلى رؤيا ابنه و*ذره أن ي*كيها لأخوته. فلقد أدرك يعقوب -عليه السلام- ب*دسه وبصيرته أن وراء هذه الرؤية شأنا عظيما لهذا الغلام. لذلك نص*ه بأن لا يقص رؤياه على إخوته خشية أن يستشعورا ما وراءها لأخيهم الصغير -غير الشقيق، *يث تزوج يعقوب من امرأة ثانية أنجبت له يوسف وشقيقه- فيجد الشيطان من هذا ثغرة في نفوسهم، فتمتلئ نفوسهم بال*قد، فيدبروا له أمرا يسوؤه. استجاب يوسف لت*ذير أبيه.. لم ي*دث أخوته بما رأى، وأغلب الظن أنهم كانوا يكرهونه إلى ال*د الذي يصعب فيه أن يطمئن إليهم وي*كي لهم دخائله الخاصة وأ*لامه.
    المشهد الثاني:
    اجتمع أخوة يوسف يت*دثون في أمره. (إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَ*َبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَ*ْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) أي ن*ن مجموعة قوية تدفع وتنفع، فأبونا مخطئ في تفضيل هذين الصبيين على مجموعة من الرجال النافعين! فاقتر* أ*دهم *لا للموضوع: (اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَ*ُوهُ أَرْضًا). إنه ال*قد وتدخل الشيطان الذي ضخم *ب أبيهم ليوسف وإيثاره عليهم *تى جعله يوازي القتل. أكبر جرائم الأرض قاطبة بعد الشرك بالله. وطر*ه في أرض بعيدة نائية مرادف للقتل، لأنه سيموت هناك لا م*اله. ولماذا هذا كله؟! *تى لا يراه أبوه فينساه فيوجه *به كله لهم. ومن ثم يتوبون عن جريمتهم (وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِ*ِينَ).
    قال قائل منهم -*رك الله أعماقه بشفقة خفية، أو أثار الله في أعماقه رعبا من القتل: ما الداعي لقتله؟ إن كنتم تريدون الخلاص منه، فلنلقه في بئر تمر عليها القوافل.. ستلتقطه قافلة وتر*ل به بعيدا.. سيختفي عن وجه أبيه.. ويت*قق غرضنا من إبعاده.
    انهزمت فكرة القتل، واختيرت فكرة النفي والإبعاد. نفهم من هذا أن الأخوة، رغم شرهم و*سدهم، كان في قلوبهم، أو في قلوب بعضهم، بعض خير لم يمت بعد.
    المشهد الثالث:
    توجه الأبناء لأبيهم يطلبون منه السما* ليوسف بمرافقتهم. دار ال*وار بينهم وبين أبيهم بنعومة وعتاب خفي، وإثارة للمشاعر.. مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ ..؟ أيمكن أن يكون يوسف أخانا، وأنت تخاف عليه من بيننا ولا تستأمننا عليه، ون*ن ن*به وننص* له ونرعاه؟ لماذا لا ترسله معنا يرتع ويلعب؟
    وردا على العتاب الاستنكاري الأول جعل يعقوب عليه السلام ينفي -بطريقة غير مباشرة- أنه لا يأمنهم عليه، ويعلل ا*تجازه معه بقلة صبره على فراقه وخوفه عليه من الذئاب: قَالَ إِنِّي لَيَ*ْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ .
    ففندوا فكرة الذئب الذي يخاف أبوه أن يأكله.. ن*ن عشرة من الرجال.. فهل نغفل عنه ون*ن كثرة؟ نكون خاسرين غير أهل للرجولة لو وقع ذلك.. لن يأكله الذئب ولا داعي للخوف عليه.
    وافق الأب ت*ت ضغط أبنائه.. ليت*قق قدر الله وتتم القصة كما تقتضي مشيئته!


    ---
    المشهد الرابع:
    خرج الأخوة ومعهم يوسف، وأخذوه للص*راء. اختاروا بئرا لا ينقطع عنها مرور القوافل و*ملوه وهموا بإلقائه في البئر.. وأو*ى الله إلى يوسف أنه ناج فلا يخاف.. وأنه سيلقاهم بعد يومهم هذا وينبئهم بما فعلوه.
    المشهد الخامس:
    عند العشاء جاء الأبناء باكين لي*كوا لأبيهم قصة الذئب المزعومة. أخبروه بأنهم ذهبوا يستبقون، فجاء ذئب على غفلة، وأكل يوسف. لقد ألهاهم ال*قد الفائر عن سبك الكذبة، فلو كانوا أهدأ أعصابا ما فعلوها من المرة الأولى التي يأذن لهم فيها يعقوب باصط*اب يوسف معهم! ولكنهم كانوا معجلين لا يصبرون، يخشون ألا تواتيهم الفرصة مرة أخرى. كذلك كان التقاطهم ل*كاية الذئب دليلا على التسرع، وقد كان أبوهم ي*ذرهم منها أمس، وهم ينفونها. فلم يكن من المستساغ أن يذهبوا في الصبا* ليتركوا يوسف للذئب الذي *ذرهم أبوهم منه أمس! وبمثل هذا التسرع جاءوا على قميصه بدم كذب لطخوه به في غير إتقان ونسوا في انفعالهم أن يمزقوا قميص يوسف.. جاءوا بالقميص كما هو سليما، ولكن ملطخا بالدم.. وانتهى كلامهم بدليل قوي على كذبهم *ين قالوا: (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) أي وما أنت بمطمئن لما نقوله، ولو كان هو الصدق، لأنك تشك فينا ولا تطمئن لما نقوله.
    أدرك يعقوب من دلائل ال*ال ومن نداء قلبه ومن الأكذوبة الواض*ة، أن يوسف لم يأكله الذئب، وأنهم دبروا له مكيدة ما، وأنهم يلفقون له قصة لم تقع، فواجههم بأن نفوسهم قد *سنت لهم أمرا منكرا وذللته ويسرت لهم ارتكابه؛ وأنه سيصبر مت*ملا متجملا لا يجزع ولا يفزع ولا يشكو، مستعينا بالله على ما يلفقونه من *يل وأكاذيب: قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ
    المشهد الأخير من الفصل الأول من *ياة سيدنا يوسف عليه السلام:
    أثناء وجود يوسف بالبئر، مرت عليه قافلة.. قافلة في طريقها إلى مصر.. قافلة كبيرة.. سارت طويلا *تى سميت سيارة.. توقفوا للتزود بالماء.. وأرسلوا أ*دهم للبئر فأدلى الدلو فيه.. تعلق يوسف به.. ظن من دلاه أنه امتلأ بالماء فس*به.. ففر* بما رأى.. رأى غلاما متعلقا بالدلو.. فسرى على يوسف *كم الأشياء المفقودة التي يلتقطها أ*د.. يصير عبدا لمن التقطه.. هكذا كان قانون ذلك الزمان البعيد.
    فر* به من وجده في البداية، ثم زهد فيه *ين فكر في همه ومسئوليته، وزهد فيه لأنه وجده صبيا صغيرا.. وعزم على التخلص منه لدى وصوله إلى مصر.. ولم يكد يصل إلى مصر *تى باعه في سوق الرقيق بثمن زهيد، دراهم معدودة. ومن هناك اشتراه رجل تبدو عليه الأهمية


    ---
    انتهت الم*نة الأولى في *ياة هذا النبي الكريم،

    لبتدأ الم*نة الثانية، والفصل الثاني من *ياته.


    ثم يكشف الله تعالى مضمون القصة البعيد في بدايتها (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ). لقد انطبقت جدران العبودية على يوسف. ألقي في البئر، أهين، *رم من أبيه، التقط من البئر، صار عبدا يباع في الأسواق، اشتراه رجل من مصر، صار مملوكا لهذا الرجل.. انطبقت المأساة، وصار يوسف بلا *ول ولا قوة.. هكذا يظن أي إنسان.. غير أن ال*قيقة شيء يختلف عن الظن تماما.

    ما نتصور ن*ن أنه مأساة وم*نة وفتنة.. كان هو أول سلم يصعده يوسف في طريقه إلى مجده.. (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) .. ينفذ تدبيره رغم تدبير الآخرين. ينفذ من خلاله تدبير الآخرين فيفسده ويت*قق وعد الله، وقد وعد الله يوسف بالنبوة.

    وها هو ذا يلقي م*بته على صا*به الذي اشتراه.. وها هو ذا السيد يقول لزوجته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا. وليس هذا السيد رجلا هين الشأن.. إنما هو رجل مهم.. رجل من الطبقة ال*اكمة في مصر.. سنعلم بعد قليل أنه وزير من وزراء الملك. وزير خطير سماه القرآن "العزيز"، وكان قدماء المصريين يطلقون الصفات كأسماء على الوزراء. فهذا العزيز.. وهذا العادل.. وهذا القوي.. إلى آخره.. وأرج* الآراء أن العزيز هو رئيس وزراء مصر.

    وهكذا مكن الله ليوسف في الأرض.. سيتربى كصبي في بيت رجل ي*كم. وسيعلمه الله من تأويل الأ*اديث والرؤى.. وسي*تاج إليه الملك في مصر يوما. (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ). تم هذا كله من خلال فتنة قاسية تعرض لها يوسف.

    ثم يبين لنا المولى عز وجل كرمه على يوسف فيقول:

    وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ *ُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُ*ْسِنِينَ (22) (يوسف)

    كان يوسف أجمل رجل في عصره.. وكان نقاء أعماقه وصفاء سريرته يضفيان على وجهه مزيدا من الجمال. وأوتي ص*ة ال*كم على الأمور.. وأوتي علما بال*ياة وأ*والها. وأوتي أسلوبا في ال*وار يخضع قلب من يستمع إليه.. وأوتي نبلا وعفة، جعلاه شخصية إنسانية لا تقاوم.

    وأدرك سيده أن الله قد أكرمه بإرسال يوسف إليه.. اكتشف أن يوسف أكثر من رأى في *ياته أمانة واستقامة وشهامة وكرما.. وجعله سيده مسئولا عن بيته وأكرمه وعامله كابنه.

    ويبدأ المشهد الأول من الفصل الثاني في *ياته:

    في هذا المشهد تبدأ م*نة يوسف الثانية، وهي أشد وأعمق من الم*نة الأولى. جاءته وقد أوتي ص*ة ال*كم وأوتي العلم -ر*مة من الله- ليواجهها وينجو منها جزاء إ*سانه الذي سجله الله له في قرآنه. يذكر الله تعالى هذه الم*نة في كتابه الكريم:

    وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَ*ْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِ*ُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَ*ْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) (يوسف)

    لا يذكر السياق القرآني شيئا عن سنها وسنه، فلننظر في ذلك من باب التقدير. لقد أ*ضر يوسف صبيا من البئر، كانت هي زوجة في الثلاثة والعشرين مثلا، وكان هو في الثانية عشرا. بعد ثلاثة عشر عاما صارت هي في السادسة والثلاثين ووصل عمره إلى الخامسة والعشرين. أغلب الظن أن الأمر كذلك. إن تصرف المرأة في ال*ادثة وما بعدها يشير إلى أنها مكتملة جريئة.

    والآن، لنتدبر معنا في كلمات هذه الآيات.

    (وَرَاوَدَتْهُ) صرا*ة (عَن نَّفْسِهِ )، وأغلقت (الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ). لن تفر مني هذه المرة. هذا يعني أنه كانت هناك مرات سابقة فر فيها منها. مرات سابقة لم تكن الدعوة فيها بهذه الصرا*ة وهذا التعري. فيبدوا أن امرأة العزيز سئمت تجاهل يوسف لتلمي*اتها المستمرة وإباءه.. فقررت أن تغير خطتها. خرجت من التلمي* إلى التصري*.. أغلقت الأبواب ومزقت أقنعة ال*ياء وصر*ت ب*بها وطالبته بنفسه.

    ثم يتجاوزز السياق القرآني ال*وار الذي دار بين امرأة العزيز ويوسف عليه السلام، ولنا أن نتصور كيف *اولت إغراءه إما بلباسها أو كلماتها أو *ركاتها. لكن ما يهمنا هنا هو موقف يوسف -عليه السلام- من هذا الإغواء.

    يقف هذا النبي الكريم في وجه سيدته قائلا (قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَ*ْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِ*ُ الظَّالِمُونَ) أعيذ نفسي بالله أن أفعل هذا مع زوجة من أكرمني بأن نجاني من الجب وجعل في هذه الدار مثواي الطيب الآمن. ولا يفل* الظالمون الذين يتجاوزون *دود الله، فيرتكبون ما تدعينني الل*ظة إليه.

    ثم (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) اتفق المفسرون *ول همها بالمعصية، واختلفوا *ول همه. فمنهم من أخذ بالإسرائيليات وذكر أن يعقوب ظهر له، أو جبريل نزل إليه، لكن التلفيق والاختلاق ظاهر في هذه الزوايات الإسرائيلية. ومن قائل: إنها همت به تقصد المعصية وهم بها يقصد المعصية ولم يفعل، ومن قائل: إنها همت به لتقبله وهم بها ليضربها، ومن قائل: إن هذا الهم كان بينهما قبل ال*ادث. كان *ركة نفسية داخل نفس يوسف في السن التي اجتاز فيها فترة المراهقة. ثم صرف الله عنه. وأفضل تفسير تطمئن إليه نفسي أن هناك تقديما وتأخيرا في الآية.

    قال أبو *اتم: كنت أقرأ غريب القرآن على أبي عبيدة، فلما أتيت على قوله تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا). قال أبو عبيدة: هذا على التقديم والتأخير. بمعنى ولقد همت به.. ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها. يستقيم هذا التفسير مع عصمة الأنبياء.. كما يستقيم مع رو* الآيات التي تل*قه مباشرة (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَ*ْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) وهذه الآية التي تثبت أن يوسف من عباد الله المخلصين، تقطع في نفس الوقت بنجاته من سلطان الشيطان. قال تعالى لإبليس يوم الخلق (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) وما دام يوسف من عباده المخلصين، فقد وض* الأمر بالنسبة إليه. لا يعني هذا أن يوسف كان يخلو من مشاعر الرجولة، ولا يعني هذا أنه كان في نقاء الملائكة وعدم ا*تفالهم بال*س. إنما يعني أنه تعرض لإغراء طويل قاومه فلم تمل نفسه يوما، ثم أسكنها تقواها كونه مطلعا على برهان ربه، عارفا أنه يوسف بن يعقوب النبي، ابن إس*ق النبي، ابن إبراهيم جد الأنبياء وخليل الر*من.

    يبدو أن يوسف -عليه السلام- آثر الانصراف متجها إلى الباب *تى لا يتطور الأمر أكثر. لكن امرأة العزيز ل*قت به لتمسكه، تدفهعا الشهوة لذلك. فأمسكت قميصه من الخلف، فتمزق في يدها. وهنا تقطع المفاجأة. فت* الباب زوجها -العزيز. وهنا تتبدى المرأة المكتملة، فتجد الجواب *اضرا على السؤال البديهي الذي يطر* الموقف. فتقول متهمة الفتى: قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

    واقتر*ت هذه المراة -العاشقة- سريعا العقاب -المأمون- الواجب تنفيذه على يوسف، خشية أن يفتك به العزيز من شدة غضبه. بيّنت للعزيز أن أفضل عقاب له هو السجن. بعد هذا الاتهام الباطل وال*كم السريع جهر يوسف بال*قيقة ليدافع عن نفسه: قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي

    تجاوز السياق القرآني رد الزوج، لكنه بين كيفية تبرأة يوسف -عليه السلام- من هذه التهمة الباطلة:

    وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) (يوسف)

    لا نعلم إن كان الشاهد مرافقا للزوج منذ البداية، أم أن العزيز استدعاه بعد ال*ادثة ليأخذ برأيه.. كما أشارت بعض الروايات أن هذا الشاهد رجل كبير، بينما أخبرت روايات أخرى أنه طفل رضيع. كل هذا جائز. وهو لا يغير من الأمر شيئا. ما يذكره القرآن أن الشاهد أمرهم بالنظر للقميص، فإن كان ممزقا من الأمام فذلك من أثر مدافعتها له وهو يريد الاعتداء عليها فهي صادقة وهو كاذب. وإن كان قميصه ممزقا من الخلف فهو إذن من أثر تملصه منها وتعقبها هي له *تى الباب، فهي كاذبة وهو صادق.

    فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) (يوسف)

    فتأكد الزوج من خيانة زوجته عندما رأى قميص يوسف ممزق من الخلف. لكن الدم لم يثر في عروقه ولم يصرخ ولم يغضب. فرضت عليه قيم الطبقة الراقية التي وقع فيها ال*ادث أن يواجه الموقف بلباقة وتلطف.. نسب ما فعلته إلى كيد النساء عموما. وصر* بأن كيد النساء عموم عظيم. وهكذا سيق الأمر كما لو كان ثناء يساق. ولا ن*سب أنه يسوء المرأة أن يقال لها: (إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ). فهو دلالة على أنها أنثى كاملة مستوفية لمقدرة الأنثى على الكيد. بعدها التفت الزوج إلى يوسف قائلا له: (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـذَا) أهمل هذا الموضوع ولا تعره اهتماما ولا تت*دث به. هذا هو المهم.. الم*افظة على الظواهر.. ثم يوجه عظة -مختصرة- للمرأة التي ضبطت متلبسة بمراودة فتاها عن نفسها وتمزيق قميصه: (وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ).

    انتهى ال*ادث الأول.. لكن الفتنة لم تنته.. فلم يفصل سيد البيت بين المرأة وفتاها.. كل ما طلبه هو إغلاق ال*ديث في هذا الموضوع. غير أن هذا الموضوع بالذات. وهذا الأمر يصعب ت*قيقه في قصر يمتلئ بالخدم والخادمات والمستشارين والوصيفات.

    ---
    المشهد الثاني:
    بدأ الموضوع ينتشر.. خرج من القصر إلى قصور الطبقة الراقية يومها.. ووجدت فيه نساء هذه الطبقة مادة شهية لل*ديث. إن خلو *ياة هذه الطبقات من المعنى، وانصرافها إلى اللهو، يخلعان أهمية قصوى على الفضائ* التي ترتبط بشخصيات شهيرة.. وزاد *ديث المدينة (وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا *ُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) وانتقل الخبر من فم إلى فم.. ومن بيت إلى بيت.. *تى وصل لامرأة العزيز.
    المشهد الثالث:
    فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَا*ِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ *َاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32) (يوسف)
    عندما سمعت امرأة العزيز بما تتناقله نساء الطبقة العليا عنها، قررت أن تعد مأدبة كبيرة في القصر. وأعدت الوسائد *تى يتكئ عليها المدعوات. واختارت ألوان الطعام والشراب وأمرت أن توضع السكاكين ال*ادة إلى جوار الطعام المقدم. ووجهت الدعوة لكل من ت*دثت عنها. وبينما هن منشغلات بتقطيع الل*م أو تقشير الفاكهة، فاجأتهن بيوسف: وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا
    (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ) بهتن لطلعته، ودهشن. (وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) وجر*ن أيديهن بالسكاكين للدهشة المفاجئة. (وَقُلْنَ *َاشَ لِلّهِ) وهي كلمة تنزيه تقال في هذا الموضع تعبيرا عن الدهشة بصنع الله.. (مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) يتض* من هذه التعبيرات أن شيئا من ديانات التو*يد تسربت لأهل ذلك الزمان.
    ورأت المرأة أنها انتصرت على نساء طبقتها، وأنهن لقين من طلعة يوسف الدهش والإعجاب والذهول. فقالت قولة المرأة المنتصرة، التي لا تست*ي أمام النساء من بنات جنسها وطبقتها، والتي تفتخر عليهن بأن هذا متناول يدها؛ وإن كان قد استعصم في المرة الأولى فهي ست*اول المرة تلو الأخرى إلى أن يلين: انظرن ماذا لقيتن منه من البهر والدهش والإعجاب! لقد بهرني مثلكن فراودته عن نفسه لكنه استعصم، وإن لم يطعني سآمر بسجنه لأذلّه.
    إنها لم ترى بأسا من الجهر بنزواتها الأنثوية أما نساء طبقتها. فقالتها بكل إصرار وتبج*، قالتها مبيّنة أن الإغراء الجديد ت*ت التهديد.
    واندفع النسوة كلهم إليه يراودنه عن نفسه.. كل منهن أرادته لنفسها.. ويدلنا على ذلك أمران. الدليل الأول هو قول يوسف عليه السلام (رَبِّ السِّجْنُ أَ*َبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) فلم يقل (ما تدعوني إليه).. والأمر الآخر هو سؤال الملك لهم فيما بعد (قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ).
    أمام هذه الدعوات -سواء كانت بالقول أم بال*ركات واللفتات- استنجد يوسف بربه ليصرف عنه م*اولاتهن لإيقاعه في *بائلهن، خيفة أن يضعف في ل*ظة أمام الإغراء الدائم، فيقع فيما يخشاه على نفسه. دعى يوسف الله دعاء الإنسان العارف ببشريته، الذي لا يغتر بعصمته؛ فيريد مزيدا من عناية الله و*ياطته، ويعاونه على ما يعترضه من فتة وكيد وإغراء. (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَ*َبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ) واستجاب له الله.. وصرف عنه كيد النسوة.
    وهذا الصرف قد يكون بإدخال اليأس في نفوسهن من استجابته لهن، بعد هذه التجربة؛ أو بزيادة انصرافه عن الإغراء *تى ما ي*س في نفسه أثرا منه. أو بهما جميعا. وهكذا اجتاز يوسف الم*نة الثانية بلطف الله ورعايته، فهو الذي سمع الكيد ويسمع الدعاء، ويعلم ما وراء الكيد وما وراء الدعاء.
    ما انتهت الم*نة الثانية إلا لتبدأ الثالثة.. لكن هذه الثالثة هي آخر م*ن الشدة.

    ---
    يسجن يوسف عليه السلام والفصل الثالث من *ياته:
    ربما كان دخوله للسجن بسبب انتشار قصته مع امرأة العزيز ونساء طبقتها، فلم يجد أص*اب هذه البيوت طريقة لإسكات هذه الألسنة سوى سجن هذا الفتى الذي دلت كل الآيات على برائته، لتنسى القصة. قال تعالى في سورة (يوسف):
    ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ *َتَّى *ِينٍ (35) (يوسف)
    وهكذا ترسم الآية الموجزة جو هذا العصر بأكمله.. جو الفساد الداخلي في القصور، جو الأوساط الأرستقراطية.. وجو ال*كم المطلق.
    إن *لول المشكلات في ال*كم المطلق هي السجن.. وليس هذا بغريب على من يعبد آلهة متعددة. كانوا على عبادة غير الله.. ولقد رأينا من قبل كيف تضيع *ريات الناس *ين ينصرفون عن عبادة الله إلى عبادة غيره. وها ن*ن أولاء نرى في قصة يوسف شاهدا *يا يصيب *تى الأنبياء. صدر قرارا باعتقاله وأدخل السجن. بلا قضية ولا م*اكمة، ببساطة ويسر.. لا يصعب في مجتمع ت*كمه آلهة متعددة أن يسجن بريء. بل لعل الصعوبة تكمن في م*اولة شيء غير ذلك.
    دخل يوسف السجن ثابت القلب هادئ الأعصاب أقرب إلى الفر* لأنه نجا من إل*ا* زوجة العزيز ورفيقاتها، وثرثرة وتطفلات الخدم. كان السجن بالنسبة إليه مكانا هادئا يخلو فيه ويفكر في ربه.
    ويبين لنا القرآن الكريم المشهد الأول من هذا الفصل:
    يختصر السياق القرآني ما كان من أمر يوسف في السجن.. لكن الواض* أن يوسف -عليه السلام- انتهز فرصة وجوده في السجن، ليقوم بالدعوة إلى الله. مما جعل السجناء يتوسمون فيه الطيبة والصلا* وإ*سان العبادة والذكر والسلوك.
    انتهز يوسف -عليه السلام- هذه الفرصة لي*دث الناس عن ر*مة الخالق وعظمته و*به لمخلوقاته، كان يسأل الناس: أيهما أفضل.. أن ينهزم العقل ويعبد أربابا متفرقين.. أم ينتصر العقل ويعبد رب الكون العظيم؟ وكان يقيم عليهم ال*جة بتساؤلاته الهادئة و*واره الذكي وصفاء ذهنه، ونقاء دعوته.
    وفي أ*د الأيام، قَدِمَ له سجينان يسألانه تفسير أ*لامهما، بعد أن توسما في وجهه الخير. إن أول ما قام به يوسف -عليه السلام- هو طمأنتهما أنه سيؤول لهم الرؤى، لأن ربه علمه علما خاصا، جزاء على تجرده هو وآباؤه من قبله لعبادته و*ده، وتخلصه من عبادة الشركاء.. وبذلك يكسب ثقتهما منذ الل*ظة الأولى بقدرته على تأويل رؤياهما، كما يكسب ثقتهما كذلك لدينه. ثم بدأ بدعوتهما إلى التو*يد، وتبيان ما هم عليه من الظلال. قام بكل هذا برفق ولطف ليدخل إلى النفوس بلا مقاومة.
    بعد ذلك فسر لهما الرؤى. بيّن لهما أن أ*دها سيصلب، والآخر سينجو، وسيعمل في قصر الملك. لكنه لم ي*دد من هو صا*ب البشرى ومن هو صا*ب المصير السيئ تلطفا وت*رجا من المواجهة بالشر والسوء. وتروي بعض التفاسير أن هؤلاء الرجلين كانا يعملان في القصر، أ*دهما طباخا، والآخر يسقي الناس، وقد اتهما بم*اولة تسميم الملك.
    أوصى يوسف من سينجو منهما أن يذكر *اله عن الملك. لكن الرجل لم ينفذ الوصية. فربما ألهته *ياة القصر المزد*مة يوسف وأمره. فلبث في السجن بضع سنين. أراد الله بهذا أن يعلم يوسف -عليه السلام- درسا.
    فقد ورد في إ*دى الرويات أنه جاءه جبريل قال: يا يوسف من نجّاك من إخوتك؟ قال: الله. قال: من أنقذك من الجب؟ قال: الله. قال: من *ررك بعد أن صرت عبدا؟ قال: الله. قال: من عصمك من النساء؟ قال: الله. قال: فعلام تطلب النجاة من غيره؟
    وقد يكون هذا الأمر زيادة في كرم الله عليه واصطفاءه له، فلم يجعل قضاء *اجته على يد عبد ولا سبب يرتبط بعبد.
    المشهد الثاني:
    في هذا المشهد تبدأ نقطة الت*ول.. الت*ول من م*ن الشدة إلى م*ن الرخاء.. من م*نة العبودية والرق لم*نة السلطة والملك.
    في قصر ال*كم.. وفي مجلس الملك: ي*كي الملك ل*اشيته رؤياه طالبا منهم تفسيرا لها. (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ) لكن المستشارين والكهنة لم يقوموا بالتفسير. ربما لأنهم لم يعرفوا تفسيرها، أو أنهم أ*سوا أنها رؤيا سوء فخشوا أن يفسروها للملك، وأرادوا أن يأتي التفسير من خارج ال*اشية -التي تعودت على قول كل ما يسر الملك فقط. وعللوا عدم التفسير بأن قالوا للملك أنها أجزاء من أ*لام مختلطة ببعضها البعض، ليست رؤيا كاملة يمكن تأويلها.






    الى التكمله :6 قصص الانبياء

  6. #6
    Date d'inscription
    mars 2011
    Localisation
    مصر
    Messages
    2 800
    Pouvoir de réputation
    9


    تكملة : 6 قصص الانبياء





    تكملة : 6 قصص الانبياء

    المشهد الثالث:

    وصل الخبر إلى الساقي -الذي نجا من السجن.. تداعت أفكاره وذكره *لم الملك ب*لمه الذي رآه في السجن، وذكره السجن بتأويل يوسف ل*لمه. وأسرع إلى الملك و*دثه عن يوسف. قال له: إن يوسف هو الو*يد الذي يستطيع تفسير رؤياك.

    وأرسل الملك ساقيه إلى السجن ليسأل يوسف. ويبين لنا ال*ق سب*انه كيف نقل الساقي رؤيا الملك ليوسف بتعبيرات الملك نفسها، لأنه هنا بصدد تفسير *لم، وهو يريد أن يكون التفسير مطابقا تماما لما رءاه الملك. وكان الساقي يسمي يوسف بالصديق، أي الصادق الكثير الصدق.. وهذا ما جربه من شأنه من قبل.

    جاء الوقت وا*تاج الملك إلى رأي يوسف.. (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ). سُئِلَ يوسف عن تفسير *لم الملك.. فلم يشترط خروجه من السجن مقابل تفسيره. لم يساوم ولم يتردد ولم يقل شيئا غير تفسير الرؤيا.. هكذا ببراءة النبي *ين يلجأ إليه الناس فيغيثهم.. وإن كان هؤلاء أنفسهم سجانيه وجلاديه.

    لم يقم يسوف -عليه السلام- بالتفسير المباشر المجرد للرؤيا. وإنما قدم مع التفسير النص* وطريقة مواجهة المصاعب التي ستمر بها مصر. أفهم يوسف رسول الملك أن مصر ستمر عليها سبع سنوات مخصبة تجود فيها الأرض بالغلات. وعلى المصريين ألا يسرفوا في هذه السنوات السبع. لأن وراءها سبع سنوات مجدبة ستأكل ما يخزنه المصريون، وأفضل خزن للغلال أن تترك في سنابلها كي لا تفسد أو يصيبها السوس أو يؤثر عليها الجو.

    بهذا انتهى *لم الملك.. وزاد يوسف تأويله ل*لم الملك بال*ديث عن عام لم ي*لم به الملك، عام من الرخاء. عام يغاث فيه الناس بالزرع والماء، وتنمو كرومهم فيعصرون خمرا، وينمو سمسمهم وزيتونهم فيعصرون زيتا. كان هذا العام الذي لا يقابله رمز في *لم الملك. علما خاصا أوتيه يوسف. فبشر به الساقي ليبشر به الملك والناس.

    المشهد الرابع:
    عاد الساقي إلى الملك. أخبره بما قال يوسف، دهش الملك دهشة شديدة. ما هذا السجين..؟ إنه يتنبأ لهم بما سيقع، ويوجههم لعلاجه.. دون أن ينتظر أجرا أو جزاء. أو يشترط خروجا أو مكافأة. فأصدر الملك أمره بإخراج يوسف من السجن وإ*ضاره فورا إليه. ذهب رسول الملك إلى السجن. ولا نعرف إن كان هو الساقي الذي جاءه أول مرة. أم أنه شخصية رفيعة مكلفة بهذه الشؤون. ذهب إليه في سجنه. رجا منه أن يخرج للقاء الملك.. فهو يطلبه على عجل. رفض يوسف أن يخرج من السجن إلا إذا ثبتت براءته. لقد رباه ربه وأدبه. ولقد سكبت هذه التربية وهذا الأدب في قلبه السكينة والثقة والطمأنينة. ويظهر أثر التربية واض*ا في الفارق بين الموقفين: الموقف الذي يقول يوسف فيه للفتى: اذكرني عند ربك، والموقف الذي يقول فيه: ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة الاتي قطعن أيدهن، الفارق بين الموقفين كبير.

    المشهد الخامس:
    تجاوز السياق القرآني عما *دث بين الملك ورسوله، وردة فعل الملك. ليقف بنا أمام الم*اكة. وسؤال الملك لنساء الطبقة العليا عما فعلنه مع يوسف. يبدوا أن الملك سأل عن القصة ليكون على بينة من الظروف قبل أن يبدأ الت*قيق، لذلك جاء سؤاله دقيقا للنساء. فاعترف النساء بال*قيقة التي يصعب إنكارها (قُلْنَ *َاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ).

    وهنا تتقدم المرأة الم*بة ليوسف، التي يئست منه، ولكنها لا تستطيع أن تخلص من تعلقها به.. تتقدم لتقول كل شيء بصرا*ة. يصور السياق القرآني لنا اعتراف امرأة العزيز، بألفاظ مو*ية، تشي بما وراءها من انفعالات ومشاعر عميقة (أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) شهادة كاملة بإثمها هي، وبراءته ونظافته وصدقه هو. شهادة لا يدفع إليها خوف أو خشية أو أي اعتبار آخر.. يشي السياق القرآني ب*افز أعمق من هذا كله. *رصها على أن ي*ترمها الرجل الذي أهان كبرياءها الأنثوية، ولم يعبأ بفتنتها الجسدية. وم*اولة يائسة لتص*ي* صورتها في ذهنه. لا تريده أن يستمر على تعاليه وا*تقاره لها كخاطئة. تريد أن تص** فكرته عنها: (ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ). لست بهذا السوء الذي يتصوره فيني. ثم تمضي في هذه الم*اولة والعودة إلى الفضيلة التي ي*بها يوسف ويقدرها (وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ). وتمضي خطوة أخرى في هذه المشاعر الطيبة (وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَ*ِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّ*ِيمٌ).

    إن تأمل الآيات يو*ي بأن امرأة العزيز قد ت*ولت إلى دين يوسف. ت*ولت إلى التو*يد. إن سجن يوسف كان نقلة هائلة في *ياتها. آمنت بربه واعتنقت ديانته.

    ويصدر الأمر الملكي بالإفراج عنه وإ*ضاره.

    يهمل السياق القرآني بعد ذلك قصة امرأة العزيز تماما، يسقطها من المشاهد، فلا نعرف ماذا كان من أمرها بعد شهادتها الجريئة التي أعلنت فيها ضمنا إيمانها بدين يوسف.

    وقد لعبت الأساطير دورها في قصة المرأة.. قيل: إن زوجها مات وتزوجت من يوسف، فاكتشف أنها عذراء، واعترفت له أن زوجها كان شيخا لا يقرب النساء.. وقيل: إن بصرها ضاع بسبب استمرارها في البكاء على يوسف، خرجت من قصرها وتاهت في طرقات المدينة، فلما صار يوسف كبيرا للوزراء، ومضى موكبه يوما هتفت به امرأة ضريرة تتكفف الناس: سب*ان من جعل الملوك عبيدا بالمعصية، وجعل العبيد ملوكا بالطاعة.

    سأل يوسف: صوت من هذا؟ قيل له: امرأة العزيز. ان*در *الها بعد عز. واستدعاها يوسف وسألها: هل تجدين في نفسك من *بك لي شيئا؟

    قالت: نظرة إلى وجهك أ*ب إلي من الدنيا يا يوسف.. ناولني نهاية سوطك. فناولها. فوضعته على صدرها، فوجد السوط يهتز في يده اضطرابا وارتعاشا من خفقان قلبها.

    وقيلت أساطير أخرى، يبدو فيها أثر المخيلة الشعبية وهي تنسج قمة الدراما بانهيار العاشقة إلى ال*ضيض.. غير أن السياق القرآني تجاوز تماما نهاية المرأة.

    أغفلها من سياق القصة، بعد أن شهدت ليوسف.. وهذا يخدم الغرض الديني في القصة، فالقصة أساسا قصة يوسف وليست قصة المرأة.. وهذا أيضا يخدم الغرض الفني.. لقد ظهرت المرأة ثم اختفت في الوقت المناسب.. اختفت في قمة مأساتها.. وشاب اختفاءها غموض فني معجز.. ولربما بقيت في الذاكرة باختفائها هذا زمنا أطول مما كانت تقضيه لو عرفنا بقية قصتها.

    ---
    ويبدأ فصل جديد من فصول *ياة يوسف عليه السلام:


    بعد ما رأى الملك من أمر يوسف. براءته، وعلمه، وعدم تهافته على الملك. عرف أنه أمام رجل كريم، فلم يطلبه ليشكره أو يثني عليه، وإنما طلبه ليكون مستشاره. وعندما جلس معه وكلمه، ت*قق له صدق ما توسمه فيه. فطمئنه على أنه ذو مكانه وفي أمان عنده. فماذا قال يوسف؟

    لم يغرق الملك شكرا، ولم يقل له: عشت يا مولاي وأنا عبدك الخاضع أو خادمك الأمين، كما يفعل المتملقون للطواغيت؛ كلا إنما طالب بما يعتقد أنه قادر على أن ينهض به من الأعباء في الازمة القادمة.

    كما وأورد القرطبي في تفسيره. أن الملك قال فيما قاله: لو جمعت أهل مصر ما أطاقوا هذا الأمر.. ولم يكونوا فيه أمناء.

    كان الملك يقصد الطبقة ال*اكمة وما *ولها من طبقات.. إن العثور على الأمانة في الطبقة المترفة شديد الصعوبة.

    اعتراف الملك ليوسف بهذه ال*قيقة زاد من عزمه على تولي هذا الامر، لأنقاذ مصر وما *ولها من البلاد من هذه المجاعة.. قال يوسف: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي *َفِيظٌ عَلِيمٌ). لم يكن يوسف في كلمته يقصد النفع أو الاستفادة. على العكس من ذلك. كان ي*تمل أمانة إطعام شعوب جائعة لمدة سبع سنوات.. شعوب يمكن أن تمزق *كامها لو جاعت.. كان الموضوع في *قيقته تض*ية من يوسف.

    لا يثبت السياق القرآني أن الملك وافق.. فكأنما يقول القرآن الكريم إن الطلب تضمن الموافقة.. زيادة في تكريم يوسف، وإظهار مكانته عند الملك.. يكفي أن يقول ليجاب.. بل ليكون قوله هو الجواب، ومن ثم ي*ذف رد الملك.. ويفهمنا شريط الصور المعروضة أن يوسف قد صار في المكان الذي اقتر*ه.

    وهكذا مكن الله ليوسف في الأرض.. صار مسؤولا عن خزائن مصر واقتصادها.. صار كبيرا للوزراء.. وجاء في رواية أن الملك قال ليوسف: يا يوسف ليس لي من ال*كم إلا الكرسي.. ولا ينبئنا السياق القرآني كيف تصرف يوسف في مصر.. نعرف أنه *كيم عليم.. نعرف أنه أمين وصادق.. لا خوف إذا على اقتصاد مصر.

    المشهد الثاني من هذا الفصل:
    دارت عجلة الزمن.. طوى السياق دورتها، ومر مرورا سريعا على سنوات الرخاء، وجاءت سنوات المجاعة.. وهنا يغفل السياق القرآني بعد ذلك ذكر الملك والوزراء في السورة كلها.. كأن الأمر كله قد صار ليوسف. الذي اضطلع بالعبء في الأزمة الخانقة الرهيبة. وأبرز يوسف و*ده على مسر* ال*وادث, وسلط عليه كل الأضواء.

    أما فعل الجدب والمجاعة فقد أبرزه السياق في مشهد إخوة يوسف, يجيئون من البدو من أرض كنعان البعيدة يب*ثون عن الطعام في مصر. ومن ذلك ندرك اتساع دائرة المجاعة, كما كيف صارت مصر - بتدبير يوسف - م*ط أنظار جيرانها ومخزن الطعام في المنطقة كلها.

    لقد اجتا* الجدب والمجاعة أرض كنعان وما *ولها. فاتجه إخوة يوسف - فيمن يتجهون - إلى مصر. وقد تسامع الناس بما فيها من فائض الغلة منذ السنوات السمان. فدخلوا على عزيز مصر, وهم لا يعلمون أن أخاهم هو العزيز. إنه يعرفهم فهم لم يتغيروا كثيرا. أما يوسف فإن خيالهم لا يتصور قط أنه العزيز! وأين الغلام العبراني الصغير الذي ألقوه في الجب منذ عشرين عاما أو تزيد من عزيز مصر شبه المتوج في سنه وزيه و*رسه ومهابته وخدمه و*شمه وهيله وهيلمانه?

    ولم يكشف لهم يوسف عن نفسه. فلا بد من دروس يتلقونها: (فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ). ولكنا ندرك من السياق أنه أنزلهم منزلا طيبا, ثم أخذ في إعداد الدرس الأول: ( وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ). فنفهم من هذا أنه تركهم يأنسون إليه, واستدرجهم *تى ذكروا له من هم على وجه التفصيل, وأن لهم أخا صغيرا من أبيهم لم ي*ضر معهم لأن أباه ي*به ولا يطيق فراقه. فلما جهزهم ب*اجات الر*لة قال لهم: إنه يريد أن يرى أخاهم هذا. (قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ). وقد رأيتم أنني أوفي الكيل للمشترين. فسأوفيكم نصيبكم *ين يجيء معكم; ورأيتم أنني أكرم النزلاء فلا خوف عليه بل سيلقى مني الإكرام المعهود: (أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ).

    ولما كانوا يعلمون كيف يضن أبوهم بأخيهم الأصغر - وبخاصة بعد ذهاب يوسف - فقد أظهروا أن الأمر ليس ميسورا, وإنما في طريقه عقبات من ممانعة أبيهم, وأنهم سي*اولون إقناعه, مع توكيد عزمهم - على الرغم من هذه العقبات - على إ*ضاره معهم *ين يعودون: (قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ). ولفظ (نراود) يصور الجهد الذي يعلمون أنهم باذلوه.

    أما يوسف فقد أمر غلمانه أن يدسوا البضاعة التي *ضر بها إخوته ليستبدلوا بها القم* والعلف. وقد تكون خليطا من نقد ومن غلات ص*راوية أخرى من غلات الشجر الص*راوي, ومن الجلود وسواها مما كان يستخدم في التبادل في الأسواق. أمر غلمانه بدسها في ر*الهم - والر*ل متاع المسافر - لعلهم يعرفون *ين يرجعون أنها بضاعتهم التي جاءوا بها.

    المشهد الثالث:
    ندع يوسف في مصر . لنشهد يعقوب وبنيه في أرض كنعان. رجع الأخوة إلى أبيهم.. وقبل أن ينزلوا أ*مال الجمال ويفكوا متاعهم، دخلوا على أبيهم. قائلين له بعتاب: إن لم ترسل معنا أخانا الصغير في المرة القادمة فلن يعطينا عزيز مصر الطعام. وختموا كلامهم بوعد جديد ليعقوب عليه السلام (وَإِنَّا لَهُ لَ*َافِظُونَ).

    ويبدوا أن هذا الوعد قد أثار كوامن يعقوب. فهو ذاته وعدهم له في يوسف! فإذا هو يجهز بما أثاره الوعد من شجونه:

    قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ *َافِظًا وَهُوَ أَرْ*َمُ الرَّا*ِمِينَ (64) (يوسف)

    وفت* الأبناء أوعيتهم ليخرجوا ما فيها من غلال.. فإذا هم يجدون فيها بضاعتهم التي ذهبوا يشترون بها.. مردودة إليهم مع الغلال والطعام.. ورد الثمن يشير إلى عدم الرغبة في البيع، أو هو إنذار بذلك.. وربما كان إ*راجا لهم ليعودوا لسداد الثمن مرة أخرى.

    وأسرع الأبناء إلى أبيهم (قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي) ..لم نكذب عليك.. لقد رد إلينا الثمن الذي ذهبنا نشتري به. هذا معناه أنهم لن يبيعوا لنا إلا إذا ذهب أخونا معنا.

    واستمر *وارهم مع الأب.. أفهموه أن *به لابنه والتصاقه به يفسدان مصال*هم، ويؤثران على اقتصادهم، وهم يريدون أن يتزودوا أكثر، وسوف ي*فظون أخاهم أشد ال*فظ وأعظمه.. وانتهى ال*وار باستسلام الأب لهم.. بشرط أن يعاهدوه على العودة بابنه، إلا إذا خرج الأمر من أيديهم وأ*يط بهم.. نص*هم الأب ألا يدخلوا -وهم أ*د عشر رجلا- من باب وا*د من أبواب بمصر.. كي لا يستلفتوا انتباه أ*د.. وربما خشي عليهم أبوهم شيئا كالسرقة أو ال*سد.. لا يقول لنا السياق القرآني ماذا كان الأب يخشى، ولو كان الكشف عن السبب مهما لقيل.

    ---
    المشهد الرابع:
    عاد إخوة يوسف الأ*د عشر هذه المرة.
    وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (69) (يوسف)
    يقفز السياق قفزا إلى مشهد يوسف وهو ي*تضن أخاه ويكشف له و*ده سر قرابته، ولا ريب أن هذا لم ي*دث فور دخول الإخوة على يوسف، وإلا لانكشفت لهم قرابة يوسف، إنما وقع هذا في خفاء وتلطف، فلم يشعر إخوته، غير أن السياق المعجز يقفز إلى أول خاطر ساور يوسف عند دخولهم عليه ورؤيته لأخيه.. وهكذا يجعله القرآن أول عمل، لأنه أول خاطر، وهذه من دقائق التعبير في هذا الكتاب العظيم.
    يطوي السياق كذلك فترة الضيافة، وما دار فيها بين يوسف وإخوته، ويعرض مشهد الر*يل الأخير.. ها هو ذا يوسف يدبر شيئا لإخوته.. يريد أن ي*تفظ بأخيه الصغير معه.
    يعلم أن ا*تفاظه بأخيه سيثير أ*زان أبيه، وربما *ركت الأ*زان الجديدة أ*زانه القديمة، وربما ذكره هذا ال*ادث بفقد يوسف.. يعلم يوسف هذا كله.. وها هو ذا يرى أخاه.. وليس هناك دافع قاهر لا*تفاظه به، لماذا يفعل ما فعل وي*تفظ بأخيه هكذا!؟
    يكشف السياق عن السر في ذلك.. إن يوسف يتصرف بو*ي من الله.. يريد الله تعالى أن يصل بابتلائه ليعقوب إلى الذروة.. *تى إذا جاوز به منطقة الألم البشري الم*تمل وغير الم*تمل، ورآه صابرا رد عليه ابنيه معا، ورد إليه بصره.
    أمر يوسف -عليه السلام- رجاله أن يخفوا كأس الملك الذهبية في متاع أخيه خلسة.. وكانت الكأس تستخدم كمكيال للغلال.. وكانت لها قيمتها كمعيار في الوزن إلى جوار قيمتها كذهب خالص. أخفى الكأس في متاع أخيه.. وتهيأ إخوة يوسف للر*يل، ومعهم أخوهم.. ثم أغلقت أبواب العاصمة.. (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ)..!!
    كانت صرخة الجند تعني وقوف القوافل جميعا.. وانطلق الاتهام فوق رؤوس الجميع كقضاء خفي غامض.. أقبل الناس، وأقبل معهم إخوة يوسف..( مَّاذَا تَفْقِدُونَ)؟
    هكذا تسائل إخوة يوسف.. قال الجنود: (نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ).. ضاعت كأسه الذهبية.. ولمن يجيء بها مكافأة.. سنعطيه *مل بعير من الغلال.
    قال إخوة يوسف ببراءة: لم نأت لنفسد في الأرض ونسرق! قال ال*راس (وكان يوسف قد وجههم لما يقولونه): أي جزاء ت*بون توقيعه على السارق؟
    قال إخوة يوسف: في شريعتنا نعتبر من سرق عبدا لمن سرقه.
    قال ال*ارس: سنطبق عليكم قانونكم الخاص.. لن نطبق عليكم القانون المصري الذي يقضي بسجن السارق.
    كانت هذه الإجابة كيدا وتدبيرا من الله تعالى، ألهم يوسف أن ي*دث بها ضباطه.. ولولا هذا التدبير الإلهي لامتنع على يوسف أن يأخذ أخاه.. فقد كان دين الملك أو قانونه لا يقضي باسترقاق من سرق. وبدأ التفتيش.
    كان هذا ال*وار على منظر ومسمع من يوسف، فأمر جنوده بالبدء بتفتيش ر*ال أخوته أولا قبل تفتيش ر*ل أخيه الصغير. كي لا يثير شبهة في نتيجة التفتيش.
    اطمأن إخوة يوسف إلى براءتهم من السرقة وتنفسوا الصعداء، فلم يبقى إلا أخوهم الصغير. وتم استخراج الكأس من ر*له. فأمر يوسف بأخذ أخيه عبدا، قانونهم الذي طبقه القضاء على ال*ادث.
    أعقب ذلك مشهد عنيف المشاعر.. إن إ*ساس الإخوة برا*ة الإنقاذ والنجاة من التهمة، جعلهم يستديرون باللوم على شقيق يوسف (قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ) إنهم يتنصلون من تهمة السرقة.. ويلقونها على هذا الفرع من أبناء يعقوب.
    سمع يوسف بأذنيه اتهامهم له، وأ*س ب*زن عميق.. كتم يوسف أ*زانه في نفسه ولم يظهر مشاعره.. قال بينه وبين نفسه(أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ). لم يكن هذا سبابا لهم، بقدر ما كان تقريرا *كيما لقاعدة من قواعد الأمانة. أراد أن يقول بينه وبين نفسه: إنكم بهذا القذف شر مكانا عند الله من المقذوف، لأنكم تقذفون بريئين بتهمة السرقة.. والله أعلم ب*قيقة ما تقولون.
    سقط الصمت بعد تعليق الإخوة الأخير.. ثم انم*ى إ*ساسهم بالنجاة، وتذكروا يعقوب.. لقد أخذ عليهم عهدا غليظا، ألا يفرطوا في ابنه. وبدءوا استر*ام يوسف: يوسف أيها العزيز.. يوسف أيها الملك.. إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَ*َدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُ*ْسِنِينَ
    قال يوسف بهدوء: كيف تريدون أن نترك من وجدنا كأس الملك عنده.. ونأخذ بدلا منه أنسانا آخر..؟ هذا ظلم.. ون*ن لا نظلم.
    كانت هي الكلمة الأخيرة في الموقف. وعرفوا أن لا جدوى بعدها من الرجاء، فانس*بوا يفكرون في موقفهم الم*رج أمام أبيهم *ين يرجعون.
    المشهد الخامس:
    عقدوا مجلسا يتشاورون فيه. لكن السياق القرآني لا يذكر أقوالهم جميعا. إنما يثبت آخرها الذي يكشف عما انتهوا إليه. ذكر القرآن قول كبيرهم إذ ذكّرهم بالموثق المأخوذ عليهم، كما ذكرهم بتفريطهم في يوسف من قبل. ثم يبين قراره الجازم: ألا يبر* مصر، وألا يواجه أباه، إلا أن يأذن أبوه، أو يقضي الله له ب*كم، فيخض له وينصاع. وطلب منهم أن يرجعوا إلى أبيهم فيخبروه صرا*ة بأن ابنه سرق، فَاُخِذَ بما سرق. ذلك ما علموه شهدوا به. أما إن كان بريئا، وكا هناك أمر وراء هذا الظاهر لا يعلمونه، فهم غير موكلين بالغيب. وإن كان في شك من قولهم فليسأل أهل القرية التي كانوا فيها -أي أهل مصر- وليسأل القافلة التي كانوا فيها، فهم لم يكونوا و*دهم، فالقوافل الكثيرة كانت ترد مصر لتأخذ الطعام.
    المشهد السادس:
    فعل الأبناء ما أمرهم به أخوهم الكبير، و*كوا ليعقوب -عليه السلام- ما *دث. استمع يعقوب إليهم وقال ب*زن صابر، وعين دامعة: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْ*َكِيمُ).
    (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) كلمته ذاتها يوم فقد يوسف.. لكنه في هذه المرة يضيف إليها الأمل أن يرد الله عليه يوسف وأخاه فيرد ابنه الآخر المتخلف هناك.
    هذا الشعاع من أين جاء إلى قلب هذا الرجل الشيخ؟ إنه الرجاء في الله، والاتصال الوثيق به، والشعور بوجوده ور*مته. وهو مؤمن بأن الله يعلم *اله، ويعلم ما وراء هذه الأ*داث والامت*انات. ويأتي بكل أمر في وقته المناسب، عندما تت*ق *كمته في ترتيب الأسباب والنتائج.
    (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْ*ُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) وهي صورة مؤثرة للوالد المفجوع. ي*س أنه منفرد بهمه، و*يد بمصابه، لا تشاركه هذه القلوب التي *وله ولا تجاوبه، فينفرد في معزل، يندب فجيعته في ولده ال*بيب يوسف. الذي لم ينسه، ولم تهوّن من مصيبته السنون، والذي تذكره به نكبته الجديدة في أخيه الأصغر فتغلبه على صبره الجميل. أسلمه البكاء الطويل إلى فقد بصره.. أو ما يشبه فقد بصره. فصارت أمام عينيه غشاوة بسبب البكاء لا يمكن أن يرى بسببها. والكظيم هو ال*زين الذي لا يظهر *زنه. ولم يكن يعقوب -عليه السلام- يبكي أمام أ*د.. كان بكاؤه شكوى إلى الله لا يعلمها إلا الله.
    ثم لا*ظ أبناؤه أنه لم يعد يبصر ورج*وا أنه يبكي على يوسف، وهاجموه في مشاعره الإنسانية كأب.. *ذروه بأنه سيهلك نفسه:
    قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ *َتَّى تَكُونَ *َرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَ*ُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (86) (يوسف)
    ردهم جواب يعقوب إلى *قيقة بكائه.. إنه يشكو همه إلى الله.. ويعلم من الله ما لا يعلمون.. فليتركوه في بكائه وليصرفوا همهم لشيء أجدى عليهم (يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَ*َسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْ*ِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْ*ِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) إنه يكشف لهم في عمق أ*زانه عن أمله في رو* الله.. إنه يشعر بأن يوسف لم يمت كما أنبئوه.. لم يزل *يا، فليذهب الإخوة ب*ثا عنه.. وليكن دليلهم في الب*ث، هذا الأمل العميق في الله.

    ---
    المشهد السابع:
    ت*ركت القافلة في طريقها إلى مصر.. إخوة يوسف في طريقهم إلى العزيز.. تدهور *الهم الاقتصادي و*الهم النفسي.. إن فقرهم و*زن أبيهم وم*اصرة المتاعب لهم، قد هدت قواهم تماما.. ها هم أولاء يدخلون على يوسف.. معهم بضاعة رديئة.. جاءوا بثمن لا يتي* لهم شراء شيء ذي بال.. وعندما دخلوا على يوسف - عليه السلام- رجوه أن يتصدق عليهم (فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) انتهى الأمر بهم إلى التسول.. إنهم يسألونه أن يتصدق عليهم.. ويستميلون قلبه، بتذكيره أن الله يجزي المتصدقين.

    عندئذ.. وسط هوانهم وان*دار *الهم.. *دثهم يوسف بلغتهم، بغير واسطة ولا مترجم:

    قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89) قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُ*ْسِنِينَ (90) قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) (يوسف)

    يكاد ال*وار يت*رك بأدق تعبير عن مشاعرهم الداخلية.. فاجأهم عزيز مصر بسؤالهم عما فعلوه بيوسف.. كان يت*دث بلغتهم فأدركوا أنه يوسف.. ورا* ال*وار يمضي فيكشف لهم خطيئتهم معه.. لقد كادوا له وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ

    مرت السنوات، وذهب كيدهم له.. ونفذ تدبير الله الم*كم الذي يقع بأعجب الأسباب.. كان إلقاؤه في البئر هو بداية صعوده إلى السلطة وال*كم.. وكان إبعادهم له عن أبيه سببا في زيادة *ب يعقوب له. وها هو ذا يملك رقابهم و*ياتهم، وهم يقفون في موقف استجداء عطفه.. إنهم يختمون *وارهم معه بقولهم (قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ) إن رو* الكلمات واعترافهم بالخطأ يشيان بخوف مبهم غامض يجتا* نفوسهم.. ولعلهم فكروا في انتقامه منهم وارتعدت فرائصهم.. ولعل يوسف أ*س ذلك منهم فطمأنهم بقوله (قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْ*َمُ الرَّا*ِمِينَ) لا مؤاخذة، ولا لوم، انتهى الأمر من نفسي وذابت جذوره.. لم يقل لهم إنني أسام*كم أو أغفر لكم، إنما دعا الله أن يغفر لهم، وهذا يتضمن أنه عفا عنهم وتجاوز عفوه، ومضى بعد ذلك خطوات.. دعا الله أن يغفر لهم.. وهو نبي ودعوته مستجابة.. وذلك تسام* نراه آية الآيات في التسام*.

    ها هو ذا يوسف ينهي *واره معهم بنقلة مفاجئة لأبيه.. يعلم أن أباه قد ابيضت عيناه من ال*زن عليه.. يعلم أنه لم يعد يبصر.. لم يدر ال*وار *ول أبيه لكنه يعلم.. ي*س قلبه.. خلع يوسف قميصه وأعطاه لهم (اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ). وعادت القافلة إلى فلسطين.

    المشهد الثامن:
    ما أنت خرجت القافلة من مصر، *تى قال يعقوب -عليه السلام- لمن *وله في فلسطين: إني أشم رائ*ة يوسف، لولا أنكم تقولون في أنفسكم أنني شيخ خرِف لصدقتم ما أقول. فرد عليه من *وله ().

    لكن المفاجأة البعيدة تقع. وصلت القافلة، وألقى البشير قميض يوسف على وجه يعقوب -عليهما السلام- فارتدّ بصره. هنا يذكر يعقوب *قيقة ما يعلمه من ربه (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ).

    فاععترف الأخوة بخطئهم، وطلبوا من أباهم الاستغفار لهم، فهو نبي ودعاءه مستجاب. إلا أن يعقوب عليه السلام (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّ*ِيمُ) ونلم* هنا أن في قلب يعقوب شيئا من بنيه، وأنه لم يصف لهم بعد، وإن كان يعدهم باستغفار الله لهم بعد أن يصفو ويسكن ويستري*.

    ها هو المشهد الأخير في قصة يوسف:
    بدأت قصته برؤيا.. وها هو ذا الختام، تأويل رؤياه:

    فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي *َقًّا وَقَدْ أَ*ْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْ*َكِيمُ (100) (يوسف)

    تأمل الآن مشاعره ورؤياه تت*قق.. إنه يدعو ربه (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَ*َادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْ*ِقْنِي بِالصَّالِ*ِينَ).. هي دعوة وا*دة.. تَوَفَّنِي مُسْلِمًا






    الى التكمله :7 قصص الانبياء

  7. #7
    Date d'inscription
    mars 2011
    Localisation
    مصر
    Messages
    2 800
    Pouvoir de réputation
    9


    تكملة:7 قصص الانبياء






    تكملة:7 قصص الانبياء

    أيوب عليه السلام
    نبذة:
    من سلالة سيدنا إبراهيم كان من النبيين المو*ى إليهم، كان أيوب ذا مال وأولاد كثيرين ولكن الله ابتلاه في هذا كله فزال عنه، وابتلي في جسده بأنواع البلاء واستمر مرضه 13 أو 18 عاما اعتزله فيها الناس إلا امرأته صبرت وعملت لكي توفر قوت يومهما *تى عافاه الله من مرضه وأخلفه في كل ما ابتلي فيه، ولذلك يضرب المثل بأيوب في صبره وفي بلائه، روي أن الله ي*تج يوم القيامة بأيوب عليه السلام على أهل البلاء.
    سيرته:
    ضربت الأمثال في صبر هذا النبي العظيم. فكلما ابتلي إنسانا ابتلاء عظيما أوصوه بأن يصبر كصبر أيوب عليه السلام.. وقد أثنى الله تبارك وتعالى على عبده أيوب في م*كم كتابه (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) والأوبة هي العودة إلى الله تعالى.. وقد كان أيوب دائم العودة إلى الله بالذكر والشكر والصبر. وكان صبره سبب نجاته وسر ثناء الله عليه. والقرآن يسكت عن نوع مرضه فلا ي*دده.. وقد نسجت الأساطير عديدا من ال*كايات *ول مرضه..
    مرض أيوب
    كثرت الروايات والأساطير التي نسجت *ول مرض أيوب، ودخلت الإسرائيليات في كثير من هذه الروايات. ونذكر هنا أشهرها:
    أن أيوب عليه السلام كان ذا مال وولد كثير، ففقد ماله وولده، وابتلي في جسده، فلبث في بلائه ثلاث عشرة سنة, فرفضه القريب والبعيد إلا زوجته ورجلين من إخوانه. وكانت زوجته تخدم الناس بالأجر، لت*ضر لأيوب الطعام. ثم إن الناس توقفوا عن استخدامها، لعلمهم أنها امرأة أيوب، خوفاً أن ينالهم من بلائه، أو تعديهم بمخالطته. فلما لم تجد أ*داً يستخدمها باعت لبعض بنات الأشراف إ*دى ضفيرتيها بطعام طيب كثير، فأتت به أيوب، فقال: من أين لك هذا؟ وأنكره، فقالت: خدمت به أناساً، فلما كان الغد لم تجد أ*داً، فباعت الضفيرة الأخرى بطعام فأتته به فأنكره أيضاً، و*لف لا يأكله *تى تخبره من أين لها هذا الطعام؟ فكشفت عن رأسها خمارها، فلما رأى رأسها م*لوقاً، قال في دعائه: (رب إني مسني الضر وأنت أر*م الرا*مين). و*لف أن يضربها مئة سوط إذا شفى.
    وقيل أن امرأة أيوب أخبرته أنها لقيت طبيبا في الطريق عرض أن يداوي أيوب إذا رضي أن يقول أنت شفيتي بعد علاجه، فعرف أيوب أن هذا الطبيب هو إبليس، فغضب و*لف أن يضربها مئة ضربة.
    أما ما كان من أمر صا*بي أيوب، فقد كانا يغدوان إليه ويرو*ان, فقال أ*دهما للآخر: لقد أذنب أيوب ذنبا عظيما وإلا لكشف عنه هذا البلاء, فذكره الآخر لأيوب, ف*زن ودعا الله. ثم خرج ل*اجته وأمسكت امرأته بيده فلما فرغ أبطأت عليه, فأو*ى الله إليه أن اركض برجلك, فضرب برجله الأرض فنبعت عين فاغتسل منها فرجع ص*ي*ا, فجاءت امرأته فلم تعرفه, فسألته عن أيوب فقال: إني أنا هو, وكان له أندران: أ*دهما: للقم* والآخر: للشعير, فبعث الله له س*ابة فأفرغت في أندر القم* الذهب *تى فاض, وفي أندر الشعير الفضة *تى فاض.
    وفي الص*ي* أن رسول الله صلى الله لعيه وسلم قال: "بينما ‏‏أيوب يغتسل عريانا خر عليه رجل جراد من ذهب فجعل ي*ثي في ثوبه فناداه ربه يا ‏‏ أيوب ‏ ‏ألم أكن أغنيتك عما ترى قال بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك" (رجل جراد ‏أي جماعة جراد).
    فلما عوفي أمره الله أن يأخذ عرجونا فيه مائة شمراخ (عود دقيق) فيضربها ضربة وا*دة لكي لا ي*نث في قسمه وبذلك يكون قد بر في قسمه. ثم جزى الله -عز وجل- أيوب -عليه السلام- على صبره بأن آتاه أهله (فقيل: أ*يى الله أبناءه. وقيل: آجره فيمن سلف وعوضه عنهم في الدنيا بدلهم، وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة) وذكر بعض العلماء أن الله رد على امرأته شبابها *تى ولدت له ستة وعشرين ولدا ذكرا.
    هذه أشهر رواية عن فتنة أيوب وصبره.. ولم يذكر فيها أي شيء عن تساقط ل*مه، وأنه لم يبقى منه إلا العظم والعصب. فإننا نستبعد أن يكون مرضه منفرا أو مشوها كما تقول أساطير القدماء.. نستبعد ذلك لتنافيه مع منصب النبوة..
    ويجدر التنبيه بأن دعاء أيوب ربه (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ). قد يكون القصد منه شكوى أيوب -عليه السلام- لربه جرأة الشيطان عليه وتصوره أنه يستطيع أن يغويه. ولا يعتقد أيوب أن ما به من مرض قد جاء بسبب الشيطان. هذا هو الفهم الذي يليق بعصمة الأنبياء وكمالهم.
    وروى الطبري أن مدة عمره كانت ثلاثا وتسعين سنة فعلى هذا فيكون عاش بعد أن عوفي عشر سنين , والله أعلم. وأنه أوصى إلى ولده *ومل، وقام بالأمر بعده ولده بشر بن أيوب، وهو الذي يزعم كثير من الناس أنه ذو الكفل فالله أعلم.


    ---
    ذو الكفل عليه السلام

    نبذة:

    من الأنبياء الصال*ين، وكان يصلي كل يوم مائة صلاة، قيل إنه تكفل لبني قومه أن يقضي بينهم بالعدل ويكفيهم أمرهم ففعل فسمي بذي الكفل.


    سيرته:

    قال أهل التاريخ ذو الكفل هو ابن أيوب عليه السلام وأسمه في الأصل (بشر) وقد بعثه الله بعد أيوب وسماه ذا الكفل لأنه تكفل ببعض الطاعات فوقي بها، وكان مقامه في الشام وأهل دمشق يتناقلون أن له قبرا في جبل هناك يشرف على دمشق يسمى قاسيون. إلا أن بعض العلماء يرون أنه ليس بنبي وإنما هو رجل من الصال*ين من بني إسرائيل. وقد رج* ابن كثير نبوته لأن الله تعالى قرنه مع الأنبياء فقال عز وجل:

    وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَ*ْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِ*ِينَ (85) (الأنبياء)

    قال ابن كثير : فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونا مع هؤلاء السادة الأنبياء أنه نبي عليه من ربه الصلاة والسلام وهذا هو المشهور.

    والقرآن الكريم لم يزد على ذكر اسمه في عداد الأنبياء أما دعوته ورسالته والقوم الذين أرسل إليهم فلم يتعرض لشيء من ذلك لا بالإجمال ولا بالتفصيل لذلك نمسك عن الخوض في موضوع دعوته *يث أن كثيرا من المؤرخين لم يوردوا عنه إلا الشيء اليسير. ومما ينبغي التنبه له أن (ذا الكفل) الذي ذكره القرآن هو غير (الكفل) الذي ذكر في ال*ديث الشريف ونص ال*ديث كما رواه الأمام أ*مد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورع عن ذنب عمله فأتته امرأة فأعطاها ستين دينار على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال لها ما يبكيك ؟ أكرهتك ؟ قالت : لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط وإنما *ملتني عليه ال*اجة ..قال : فتفعلين هذا ولم تفعليه قط ؟ ثم نزل فقال أذهبي بالدنانير لك ، ثم قال : والله لا يعصي الله الكفل أبدا فمات من ليلته فأصب* مكتوبا على بابه : قد غفر الله للكفل). رواه الترمذي وقال: *ديث *سن وروي موقوفا على ابن عمر وفي إسناده نظر. فإن كان م*فوظا فليس هو ذا الكفل وإنما لفظ ال*ديث الكفل من غير إضافة فهو إذا رجل آخر غير المذكور في القرآن.

    ويذكر بعض المؤرخين أن ذا الكفل تكفل لبني قومه أن يكفيهم أمرهم ويقضي بينهم بالعدل فسمي ذا الكفل وذكروا بعض القصص في ذلك ولكنها قصص ت*تاج إلى تثبت وإلى تم*يص وتدقيق.


    الرجل الصال*:

    أما من يقول أن ذو الكفل لم يكن نبيا وإنما كان رجلا صال*ا من بني إسرائيل فيروي أنه كان في عهد نبي الله اليسع عليه السلام. وقد روي أنه لما كبر اليسع قال لو أني استخلفت رجلاً على الناس يعمل عليهم في *ياتي *تى أنظر كيف يعمل؟ فجمع الناس فقال: من يتقبل لي بثلاث استخلفه: يصوم النهار، ويقوم الليل، ولا يغضب. فقام رجل تزدريه العين، فقال: أنا، فقال: أنت تصوم النهار، وتقوم الليل، ولا تغضب؟ قال: نعم. لكن اليسع -عليه السلام- ردّ الناس ذلك اليوم دون أن يستخلف أ*دا. وفي اليوم التالي خرج اليسع -عليه السلام- على قومه وقال مثل ما قال اليوم الأول، فسكت الناس وقام ذلك الرجل فقال أنا. فاستخلف اليسع ذلك الرجل.

    فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان، فأعياهم ذلك. فقال دعوني وإياه فأتاه في صورة شيخ كبير فقير، وأتاه *ين أخذ مضجعه للقائلة، وكان لا ينام الليل والنهار، إلا تلك النّومة فدقّ الباب. فقال ذو الكفل: من هذا؟ قال: شيخ كبير مظلوم. فقام ذو الكفل ففت* الباب. فبدأ الشيخ ي*دّثه عن خصومة بينه وبين قومه، وما فعلوه به، وكيف ظلموه، وأخذ يطوّل في ال*ديث *تى *ضر موعد مجلس ذو الكفل بين الناس، وذهبت القائلة. فقال ذو الكفل: إذا ر*ت للمجلس فإنني آخذ لك ب*قّك.

    فخرج الشيخ وخرج ذو الكفل لمجلسه دون أن ينام. لكن الشيخ لم ي*ضر للمجلس. وانفض المجلس دون أن ي*ضر الشيخ. وعقد المجلس في اليوم التالي، لكن الشيخ لم ي*ضر أيضا. ولما رجع ذو الكفل لمنزله عند القائلة ليضطجع أتاه الشيخ فدق الباب، فقال: من هذا؟ فقال الشيخ الكبير المظلوم. ففت* له فقال: ألم أقل لك إذا قعدت فاتني؟ فقال الشيخ: إنهم اخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا لي ن*ن نعطيك *قك، وإذا قمت ج*دوني. فقال ذو الكفل: انطلق الآن فإذا ر*ت مجلسي فأتني.

    ففاتته القائلة، فرا* مجلسه وانتظر الشيخ فلا يراه وشق عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تدعنَّ أ*داً يقرب هذا الباب *تى أنام، فإني قد شق عليّ النوم. فقدم الشيخ، فمنعوه من الدخول، فقال: قد أتيته أمس، فذكرت لذي الكفل أمري، فقالوا: لا والله لقد أمرنا أن لا ندع أ*داً يقربه. فقام الشيخ وتسوّر ال*ائط ودخل البيت ودق الباب من الداخل، فاستيقظ ذو الكفل، وقال لأهله: ألم آمركم ألا يدخل علي أ*د؟ فقالوا: لم ندع أ*دا يقترب، فانظر من أين دخل. فقام ذو الكفل إلى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه؟ وإذا الرجل معه في البيت، فعرفه فقال: أَعَدُوَّ اللهِ؟ قال: نعم أعييتني في كل شيء ففعلت كل ما ترى لأغضبك.

    فسماه الله ذا الكفل لأنه تكفل بأمر فوفى به!


    ---
    يونس عليه السلام

    نبذة:
    أرسله الله إلى قوم نينوى فدعاهم إلى عبادة الله و*ده ولكنهم أبوا واستكبروا فتركهم وتوعدهم بالعذاب بعد ثلاث ليال فخشوا على أنفسهم فآمنوا فرفع الله عنهم العذاب، أما يونس فخرج في سفينة وكانوا على وشك الغرق فاقترعوا لكي ي*ددوا من سيلقى من الرجال فوقع ثلاثا على يونس فرمى نفسه في الب*ر فالتقمه ال*وت وأو*ى الله إليه أن لا يأكله فدعا يونس ربه أن يخرجه من الظلمات فاستجاب الله له وبعثه إلى مائة ألف أو يزيدون
    سيرته:
    كان يونس بن متى نبيا كريما أرسله الله إلى قومه فرا* يعظهم، وينص*هم، ويرشدهم إلى الخير، ويذكرهم بيوم القيامة، ويخوفهم من النار، وي*ببهم إلى الجنة، ويأمرهم بالمعروف، ويدعوهم إلى عبادة الله و*ده. وظل ذو النون -يونس عليه السلام- ينص* قومه فلم يؤمن منهم أ*د.
    وجاء يوم عليه فأ*س باليأس من قومه.. وامتلأ قلبه بالغضب عليهم لأنهم لا يؤمنون، وخرج غاضبا وقرر هجرهم ووعدهم ب*لول العذاب بهم بعد ثلاثة أيام. ولا يذكر القرآن أين كان قوم يونس. ولكن المفهوم أنهم كانوا في بقعة قريبة من الب*ر. وقال أهل التفسير: بعث الله يونس عليه السلام إلى أهل (نينوى) من أرض الموصل. فقاده الغضب إلى شاطىء الب*ر *يث ركب سفينة مش*ونة. ولم يكن الأمر الإلهي قد صدر له بأن يترك قومه أو ييأس منهم. فلما خرج من قريته، وتأكد أهل القرية من نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والإنابة وندموا على ما كان منهم إلى نبيهم وصرخوا وتضرعوا إلى الله عز وجل، وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والأمهات. وكانوا مائة ألف يزيدون ولا ينقصون. وقد آمنوا أجمعين. فكشف الله العظيم ب*وله وقوته ورأفته ور*مته عنهم العذاب الذي است*قوه بتكذيبهم.
    أمر السفينة:
    أما السفينة التي ركبها يونس، فقد هاج بها الب*ر، وارتفع من *ولها الموج. وكان هذا علامة عند القوم بأن من بين الركاب راكباً مغضوباً عليه لأنه ارتكب خطيئة. وأنه لا بد أن يلقى في الماء لتنجو السفينة من الغرق. فاقترعوا على من يلقونه من السفينة . فخرج سهم يونس -وكان معروفاً عندهم بالصلا*- فأعادوا القرعة، فخرج سهمه ثانية، فأعادواها ثالثة، ولكن سهمه خرج بشكل أكيد فألقوه في الب*ر -أو ألقى هو نفسه. فالتقمه ال*وت لأنه تخلى عن المهمة التي أرسله الله بها, وترك قومه مغاضباً قبل أن يأذن الله له. وأ*ى الله لل*وت أن لا يخدش ليونس ل*ما ولا يكسر له عظما. واختلف المفسرون في مدة بقاء يونس في بطن ال*وت، فمنهم من قال أن ال*وت التقمه عند الض*ى، وأخرجه عند العشاء. ومنهم من قال انه لبث في بطنه ثلاثة أيام، ومنهم من قال سبعة.
    يونس في بطن ال*وت:
    عندما أ*س بالضيق في بطن ال*وت، في الظلمات -ظلمة ال*وت، وظلمة الب*ر، وظلمة الليل- سب* الله واستغفره وذكر أنه كان من الظالمين. وقال: (لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْ*َانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ). فسمع الله دعاءه واستجاب له. فلفظه ال*وت. (فلولا أنه كان من المسب*ين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون). وقد خرج من بطن ال*وت سقيماً عارياً على الشاطىء. وأنبت الله عليه شجرة القرع. قال بعض العلماء في إنبات القرع عليه *ِكَم جمة. منها أن ورقه في غاية النعومة وكثير وظليل ولا يقربه ذباب، ويؤكل ثمره من أول طلوعه إلى آخره نياً ومطبوخاً، وبقشره وببزره أيضاً. وكان هذا من تدبير الله ولطفه. وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك. فلما استكمل عافيته رده الله إلى قومه الذين تركهم مغاضباً.
    ‏فضل يونس عليه السلام:
    لقد وردت أ*اديث كثيرة عن فضل يونس عليه السلام، منها قول النبي‏ ‏صلى الله عليه وسلم: "‏لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من ‏‏ يونس بن متى" وقوله عليه الصلاة والسلام: "من قال أنا خير من ‏‏ يونس بن متى ‏ ‏فقد كذب".
    ذنب يونس عليه السلام:
    نريد الآن أن ننظر فيما يسميه العلماء ذنب يونس. هل ارتكب يونس ذنبا بالمعنى ال*قيقي للذنب؟ وهل يذنب الأنبياء. الجواب أن الأنبياء معصومون.. غير أن هذه العصمة لا تعني أنهم لا يرتكبون أشياء هي عند الله أمور تستوجب العتاب. المسألة نسبية إذن.
    يقول العارفون بالله: إن *سنات الأبرار سيئات المقربين.. وهذا ص*ي*. فلننظر إلى فرار يونس من قريته الجا*دة المعاندة. لو صدر هذا التصرف من أي إنسان صال* غير يونس.. لكان ذلك منه *سنة يثاب عليها. فهو قد فر بدينه من قوم مجرمين.
    ولكن يونس نبي أرسله الله إليهم.. والمفروض أن يبلغ عن الله ولا يعبأ بنهاية التبليغ أو ينتظر نتائج الدعوة.. ليس عليه إلا البلاغ.
    خروجه من القرية إذن.. في ميزان الأنبياء.. أمر يستوجب تعليم الله تعالى له وعقابه.
    إن الله يلقن يونس درسا في الدعوة إليه، ليدعو النبي إلى الله فقط. هذه *دود مهمته وليس عليه أن يتجاوزها ببصره أو قلبه ثم ي*زن لأن قومه لا يؤمنون.
    ولقد خرج يونس بغير إذن فانظر ماذا وقع لقومه. لقد آمنوا به بعد خروجه.. ولو أنه مكث فيهم لأدرك ذلك وعرفه واطمأن قلبه وذهب غضبه.. غير أنه كان متسرعا.. وليس تسرعه هذا سوى فيض في رغبته أن يؤمن الناس، وإنما اندفع إلى الخروج كراهية لهم لعدم إيمانهم.. فعاقبه الله وعلمه أن على النبي أن يدعو لله ف*سب. والله يهدي من يشاء

    ---
    شعيب عليه السلام

    نبذة:
    أرسل شعيب إلى قوم مدين وكانوا يعبدون الأيكة وكانوا ينقصون المكيال والميزان ولا يعطون الناس *قهم فدعاهم إلى عبادة الله وأن يتعاملوا بالعدل ولكنهم أبوا واستكبروا واستمروا في عنادهم وتوعدوه بالرجم والطرد وطالبوه بأن ينزل عليهم كسفا من السماء فجاءت الصي*ة وقضت عليهم جميعا.
    سيرته:
    دعوة شعيب عليه السلام:
    لقد برز في قصة شعيب أن الدين ليس قضية تو*يد وألوهية فقط، بل إنه كذلك أسلوب ل*ياة الناس.. أرسل الله تعالى شعيبا إلى أهل مدين. فقال شعيب (يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُه) نفس الدعوة التي يدعوها كل نبي.. لا تختلف من نبي إلى آخر.. لا تتبدل ولا تتردد. هي أساس العقيدة.. وبغير هذه الأساس يست*يل أن ينهض بناء.
    بعد تبيين هذا الأساس.. بدأ شعيب في توضي* الأمور الاخرى التي جاءت بها دعوته (وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّ*ِيطٍ) بعد قضية التو*يد مباشرة.. ينتقل النبي إلى قضية المعاملات اليومية.. قضية الأمانة والعدالة.. كان أهل مدين ينقصون المكيال والميزان، ولا يعطون الناس *قهم.. وهي رذيلة تمس نظافة القلب واليد.. كما تمس كمال المروءة والشرف، وكان أهل مدين يعتبرون بخس الناس أشياءهم.. نوعا من أنواع المهارة في البيع والشراء.. ودهاء في الأخذ والعطاء.. ثم جاء نبيهم وأفهمهم أن هذه دناءة وسرقة.. أفهمهم أنه يخاف عليهم بسببها من عذاب يوم م*يط.. انظر إلى تدخل الإسلام الذي بعث به شعيب في *ياة الناس، إلى ال*د الذي يرقب فيه عملية البيع والشراء. قال: (وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) لم يزل شعيب ماضيا في دعوته.. ها هو ذا يكرر نص*ه لهم بصورة إيجابية بعد صورة النهي السلبية..إنه يوصيهم أن يوفوا المكيال والميزان بالقسط.. بالعدل وال*ق.. وهو ي*ذرهم أن يبخسوا الناس أشيائهم.
    لنتدبر معا في التعبير القرآني القائل: (وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ) كلمة الشيء تطلق على الأشياء المادية والمعنوية.. أي أنها ليست مقصورة على البيع والشراء فقط، بل تدخل فيها الأعمال، أو التصرفات الشخصية. ويعني النص ت*ريم الظلم، سواء كان ظلما في وزن الفاكهة أو الخضراوات، أو ظلما في تقييم مجهود الناس وأعمالهم.. ذلك أن ظلم الناس يشيع في جو ال*ياة مشاعر من الألم واليأس واللامبالاة، وتكون النتيجة أن ينهزم الناس من الداخل، وتنهار علاقات العمل، وتل*قها القيم.. ويشيع الاضطراب في ال*ياة.. ولذلك يستكمل النص ت*ذيره من الإفساد في الأرض: (وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ) العثو هو تعمد الإفساد والقصد إليه فلا تفسدوا في الأرض متعمدين قاصدين (بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ).. ما عند الله خير لكم.. (إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).
    بعدها يخلي بينهم وبين الله الذي دعاهم إليه.. ين*ي نفسه ويفهمهم أنه لا يملك لهم شيئا.. ليس موكلا عليهم ولا *فيظا عليهم ولا *ارسا لهم.. إنما هو رسول يبلغهم رسالات ربه: (وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِ*َفِيظٍ) بهذا الأسلوب يشعر شعيب قومه بأن الأمر جد، وخطير، وثقيل.. إذ بين لهم عاقبة إفسادهم وتركهم أمام العاقبة و*دهم.
    رد قوم شعيب:
    كان هو الذي يتكلم.. وكان قومه يستمعون.. توقف هو عن الكلام وت*دث قومه: (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْ*َلِيمُ الرَّشِيدُ) كان أهل مدين كفارا يقطعون السبيل، ويخيفون المارة، ويعبدون الأيكة.. وهي شجرة من الأيك *ولها غيضة ملتفة بها.. وكانوا من أسوأ الناس معاملة، يبخسون المكيال والميزان ويطففون فيهما، ويأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص.. انظر بعد هذا كله إلى *وارهم مع شعيب: (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا)... ؟
    بهذا التهكم الخفيف والسخرية المندهشة.. واستهوال الأمر.. لقد تجرأت صلاة شعيب وجنت وأمرته أن يأمرهم أن يتركوا ما كان يعبد آباؤهم.. ولقد كان آباؤهم يعبدون الأشجار والنباتات.. وصلاة شعيب تأمرهم أن يعبدوا الله و*ده.. أي جرأة من شعيب..؟ أو فلنقل أي جرأة من صلاة شعيب..؟ بهذا المنطق الساخر الهازئ وجه قوم شعيب خطابهم إلى نبيهم.. ثم عادوا يتساءلون بدهشة ساخرة: (أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء) تخيل يا شعيب أن صلاتك تتدخل في إرادتنا، وطريقة تصرفنا في أموالنا.. ما هي علاقة الإيمان والصلاة بالمعاملات المادية؟
    بهذا التساؤل الذي ظنه قوم شعيب قمة في الذكاء.. طر*وا أمامه قضية الإيمان، وأنكروا أن تكون لها علاقة بسلوك الناس وتعاملهم واقتصادهم. هذه الم*اولة للتفريق بين ال*ياة الاقتصادية والإسلام، وقد بعث به كل الأنبياء، وإن اختلفت أسماؤه.. هذه الم*اولة قديمة من عمر قوم شعيب. لقد أنكروا أن يتدخل الدين في *ياتهم اليومية، وسلوكهم واقتصادهم وطريقة إنفاقهم لأموالهم ب*رية.. إن *رية إنفاق المال أو إهلاكه أو التصرف فيه شيء لا علاقة له بالدين.. هذه *رية الإنسان الشخصية.. وهذا ماله الخاص، ما الذي أق*م الدين على هذا وذاك؟.. هذا هو فهم قوم شعيب للإسلام الذي جاء به شعيب، وهو لا يختلف كثيرا أو قليلا عن فهم عديد من الأقوام في زماننا الذي نعيش فيه. ما للإسلام وسلوك الإنسان الشخصي و*ياتهم الاقتصادية وأسلوب الإنتاج وطرق التوزيع وتصرف الناس في أموالهم كما يشاءون..؟ ما للإسلام و*ياتنا اليومية..؟
    ثم يعودون إلى السخرية منه والاستهزاء بدعوته (إِنَّكَ لَأَنتَ الْ*َلِيمُ الرَّشِيدُ) أي لو كنت *ليما رشيدا لما قلت ما تقول.
    أدرك شعيب أن قومه يسخرون منه لاستبعادهم تدخل الدين في ال*ياة اليومية.. ولذلك تلطف معهم تلطف صا*ب الدعوة الواثق من ال*ق الذي معه، وتجاوز سخريتهم لا يباليها، ولا يتوقف عندها، ولا يناقشها.. تجاوز السخرية إلى الجد.. أفهمهم أنه على بينة من ربه.. إنه نبي يعلم وهو لا يريد أن يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه، إنه لا ينهاهم عن شيء لي*قق لنفسه نفعا منه، إنه لا ينص*هم بالأمانة ليخلوا له السوق فيستفيد من التلاعب.. إنه لا يفعل شيئا من ذلك.. إنما هو نبي.. وها هو ذا يلخص لهم كل دعوات الأنبياء هذا التلخيص المعجز: (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَ*َ مَا اسْتَطَعْتُ) إن ما يريده هو الإصلا*.. هذه هي دعوات الأنبياء في مضمونها ال*قيقي وعمقها البعيد.. إنهم مصل*ون أساسا، مصل*ون للعقول، والقلوب، وال*ياة العامة، وال*ياة الخاصة.
    بعد أن بين شعيب عليه السلام لقومه أساس دعوته، وما يجب عليهم الالتزام به، ورأى منهم الاستكبار، *اول إيقاض مشاعرهم بتذكيرهم بمصير من قبلهم من الأمم، وكيف دمرهم الله بأمر منه. فذكرهم قوم نو*، وقوم هود، وقوم صال*، وقوم لوط. وأراهم أن سبيل النجاة هو العودة لله تائبين مستغفرين، فالمولى غفور ر*يم.

    ---
    ت*دي وتهديد القوم لشعيب:
    لكن قوم شعيب أعرضوا عنه قائلين: (قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا) إنه ضعيف بمقياسهم. ضعيف لأن الفقراء والمساكيهم فقط اتبعوه، أما علية القوم فاستكبروا وأصروا على طغيانهم. إنه مقياس بشري خاطئ، فالقوة بيد الله، والله مع أنبياءه. ويستمر الكفرة في تهديهم قائلين: (وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) لولا أهلك وقومك ومن يتبعك ل*فرنا لك *فرة وقتلناك ضربا بال*جارة.
    نرى أنه عندما أقام شعيب -عليه السلام- ال*جة على قومه، غيروا أسلوبهم، فت*ولوا من السخرية إلى التهديد. وأظهروا *قيقة كرههم له. لكن شعيب تلطف معهم.. تجاوز عن إساءتهم إليه وسألهم سؤالا كان هدفه إيقاظ عقولهم: (قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ) يا لسذاجة هؤلاء. إنهم يسيئون تقدير *قيقة القوى التي تت*كم في الوجود.. إن الله هو و*ده العزيز.. والمفروض أن يدركوا ذلك.. المفروض ألا يقيم الإنسان وزنا في الوجود لغير الله.. ولا يخشى في الوجود غير الله.. ولا يعمل *سابا في الوجود لقوة غير الله .. إن الله هو القاهر فوق عباده.
    ويبدو أن قوم شعيب ضاقوا ذرعا بشعيب. فاجتمع رؤساء قومه. ودخلوا مر*لة جديدة من التهديد.. هددوه أولا بالقتل، وها هم أولاء يهددونه بالطرد من قريتهم.. خيروه بين التشريد، والعودة إلى ديانتهم وملتهم التي تعبد الأشجار والجمادات.. وأفهمهم شعيب أن مسألة عودته في ملتهم مسألة لا يمكن *تى التفكير بها فكيف بهم يسألونه تنفيذها. لقد نجاه الله من ملتهم، فكيف يعود إليها؟ أنه هو الذي يدعوهم إلى ملة التو*يد.. فكيف يدعونه إلى الشرك والكفر؟ ثم أين تكافؤ الفرص؟ أنه يدعوهم برفق ولين و*ب.. وهم يهددونه بالقوة.
    واستمر الصراع بين قوم شعيب ونبيهم.. *مل الدعوة ضده الرؤساء والكبراء وال*كام.. وبدا واض*ا أن لا أمل فيهم.. لقد أعرضوا عن الله.. أداروا ظهورهم لله. فنفض شعيب يديه منهم. لقد هجروا الله، وكذبوا نبيه، واتهموه بأنه مس*ور وكاذب.. فليعمل كل وا*د.. ولينتظروا جميعا أمر الله.
    هلاك قوم شعيب:
    وانتقل الصراع إلى ت*د من لون جديد. را*وا يطالبونه بأن يسقط عليهم كسفا من السماء إن كان من الصادقين.. را*وا يسألونه عن عذاب الله.. أين هو..؟ وكيف هو..؟ ولماذا تأخر..؟ سخروا منه.. وانتظر شعيب أمر الله.
    أو*ى الله إليه أن يخرج المؤمنين ويخرج معهم من القرية.. وخرج شعيب.. وجاء أمره تعالى:
    وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَ*ْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْ*َةُ فَأَصْبَ*ُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (94) (هود)
    هي صي*ة وا*دة.. صوت جاءهم من غمامة أظلتهم.. ولعلهم فر*وا بما تصوروا أنها ت*مله من المطر.. ثم فوجئوا أنهم أمام عذاب عظيم ليوم عظيم.. انتهى الأمر. أدركتهم صي*ة جبارة جعلت كل وا*د فيهم يجثم على وجهه في مكانه الذي كان فيه في داره.. صعقت الصي*ة كل مخلوق *ي.. لم يستطع أن يت*رك أو يجري أو يختبئ أو ينقذ نفسه.. جثم في مكانه مصروعا بصي*ة.

    ---
    أنبياء أهل القرية
    نبذة:
    أرسل الله رسولين لإ*دى القرى لكن أهلا كذبوهما، فأرسل الله تعالى رسولا ثالثا يصدقهما. ولا يذكر ويذكر لنا القرآن الكريم قصة رجل آمن بهم ودعى قومه للإيمان بما جاؤوا بهن لكنهم قتلوه، فأدخله الله الجنة.
    سيرتهم:
    ي*كي ال*ق تبارك وتعالى قصة أنبياء ثلاثة بغير أن يذكر أسمائهم. كل ما يذكره السياق أن القوم كذبوا رسولين فأرسل الله ثالثا يعزرهما. ولم يذكر القرآن من هم أص*اب القرية ولا ما هي القرية. وقد اختلفت فيها الروايات. وعدم إفصا* القرآن عنها دليل على أن ت*ديد اسمها أو موضعها لا يزيد شيئاً في دلالة القصة وإي*ائها. لكن الناس ظلوا على إنكارهم للرسل وتكذيبهم، وقالوا (قَالُوا مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّ*ْمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ).
    وهذا الاعتراض المتكرر على بشرية الرسل تبدو فيه سذاجة التصور والإدراك, كما يبدو فيه الجهل بوظيفة الرسول. قد كانوا يتوقعون دائماً أن يكون هناك سر غامض في شخصية الرسول و*ياته تكمن وراءه الأوهام والأساطير.. أليس رسول السماء إلى الأرض فكيف يكون شخصية مكشوفة بسيطة لا أسرار فيها ولا ألغاز *ولها ?! شخصية بشرية عادية من الشخصيات التي تمتلىء بها الأسواق والبيوت ?!
    وهذه هي سذاجة التصور والتفكير. فالأسرار والألغاز ليست صفة ملازمة للنبوة والرسالة. فالرسالة منهج إلهي تعيشه البشرية. و*ياة الرسول هي النموذج الواقعي لل*ياة وفق ذلك المنهج الإلهي. النموذج الذي يدعو قومه إلى الاقتداء به. وهم بشر. فلا بد أن يكون رسولهم من البشر لي*قق نموذجاً من ال*ياة يملكون هم أن يقلدوه.
    وفي ثقة المطمئن إلى صدقه, العارف ب*دود وظيفته أجابهم الرسل: إن الله يعلم، وهذا يكفي. وإن وظيفة الرسل البلاغ. وقد أدوه. والناس بعد ذلك أ*رار فيما يتخذون لأنفسهم من تصرف. وفيما ي*ملون في تصرفهم من أوزار. والأمر بين الرسل وبين الناس هو أمر ذلك التبليغ عن الله; فمتى ت*قق ذلك فالأمر كله بعد ذلك إلى الله.
    ولكن المكذبين الضالين لا يأخذون الأمور هذا المأخذ الواض* السهل اليسير; ولا يطيقون وجود الدعاة إلى الهدى ويعمدون إلى الأسلوب الغليظ العنيف في مقاومة ال*جة لأن الباطل ضيق الصدر. قالوا: إننا نتشاءم منكم; ونتوقع الشر في دعوتكم; فإن لم تنتهوا عنها فإننا لن نسكت عليكم, ولن ندعكم في دعوتكم: (لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ). هكذا أسفر الباطل عن غشمه; وأطلق على الهداة تهديده; وبغى في وجه كلمة ال*ق الهادئة!
    ولكن الواجب الملقى على عاتق الرسل يقضي عليهم بالمضي في الطريق: (قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ). فالقول بالتشاؤم من دعوة أو من وجه هو خرافة من خرافات الجاهلية. والرسل يبينون لقومهم أنها خرافة; وأن *ظهم ونصيبهم من خير ومن شر لا يأتيهم من خارج نفوسهم. إنما هو معهم. مرتبط بنواياهم وأعمالهم, متوقف على كسبهم وعملهم. وفي وسعهم أن يجعلوا *ظهم ونصيبهم خيراً أو أن يجعلوه شراً. فإن إرادة الله بالعبد تنفذ من خلال نفسه, ومن خلال اتجاهه, ومن خلال عمله. وهو ي*مل طائره معه. هذه هي ال*قيقة الثابتة القائمة على أساس ص*ي*. أما التشاؤم بالأمكنة أو التشاؤم بالوجوه أو التشاؤم بالكلمات، فهو خرافة لا تستقيم على أصل!
    وقالوا لهم: (أَئِن ذُكِّرْتُم) أترجموننا وتعذبوننا لأننا نذكركم! أفهذا جزاء التذكير? (بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ) تتجاوزون ال*دود في التفكير والتقدير; وتجازون على الموعظة بالتهديد والوعيد; وتردون على الدعوة بالرجم والتعذيب!
    ما كان من الرجل المؤمن:
    لا يقول لنا السياق ماذا كان من أمر هؤلاء الأنبياء، إنما يذكر ما كان من أمر إنسان آمن بهم. آمن بهم و*ده.. ووقف بإيمانه أقلية ضعيفة ضد أغلبية كافرة. إنسان جاء من أقصى المدينة يسعى. جاء وقد تفت* قلبه لدعوة ال*ق.. فهذا رجل سمع الدعوة فاستجاب لها بعد ما رأى فيها من دلائل ال*ق والمنطق. و*ينما استشعر قلبه *قيقة الإيمان ت*ركت هذه ال*قيقة في ضميره فلم يطق عليها سكوتاً; ولم يقبع في داره بعقيدته وهو يرى الضلال من *وله والج*ود والفجور; ولكنه سعى بال*ق الذي آمن به. سعى به إلى قومه وهم يكذبون ويج*دون ويتوعدون ويهددون. وجاء من أقصى المدينة يسعى ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى ال*ق, وفي كفهم عن البغي, وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكون أن يصبوه على المرسلين.
    ويبدو أن الرجل لم يكن ذا جاه ولا سلطان. ولم تكن له عشيرة تدافع عنه إن وقع له أذى. ولكنها العقيدة ال*ية في ضميره تدفعه وتجيء به من أقصى المدينة إلى أقصاها.
    فقال لهم: اتبعوا هؤلاء الرسل، فإن الذي يدعو مثل هذه الدعوة, وهو لا يطلب أجراً, ولا يبتغي مغنماً. إنه لصادق. وإلا فما الذي ي*مله على هذا العناء إن لم يكن يلبي تكليفاً من الله? ما الذي يدفعه إلى *مل هم الدعوة? ومجابهة الناس بغير ما ألفوا من العقيدة? والتعرض لأذاهم وشرهم واستهزائهم وتنكيلهم, وهو لا يجني من ذلك كسباً, ولا يطلب منهم أجراً? وهداهم واض* في طبيعة دعوتهم. فهم يدعون إلى إله وا*د. ويدعون إلى نهج واض*. ويدعون إلى عقيدة لا خرافة فيها ولا غموض. فهم مهتدون إلى نهج سليم, وإلى طريق مستقيم.
    ثم عاد يت*دث إليهم عن نفسه هو وعن أسباب إيمانه, ويناشد فيهم الفطرة التي استيقظت فيه فاقتنعت بالبرهان الفطري السليم. فلقد تسائل مع نفسه قبل إئمانه، لماذا لا أعبد الذي فطرني؟ والذي إليه المرجع والمصير? وما الذي ي*يد بي عن هذا النهج الطبيعي الذي يخطر على النفس أول ما يخطر? إن الفطر مجذوبة إلى الذي فطرها, تتجه إليه أول ما تتجه, فلا تن*رف عنه إلا بدافع آخر خارج على فطرتها. والتوجه إلى الخالق هو الأولى.
    ثم يبين ضلال المنهج المعاكس. مهج من يعبد آلهة غير الر*من لا تضر ولا تنفع. وهل أضل ممن يدع منطق الفطرة الذي يدعو المخلوق إلى عبادة خالقه, وين*رف إلى عبادة غير الخالق بدون ضرورة ولا دافع? وهل أضل ممن ين*رف عن الخالق إلى آلهة ضعاف لا ي*مونه ولا يدفعون عنه الضر *ين يريد به خالقه الضر بسبب ان*رافه وضلاله?
    والآن وقد ت*دث الرجل بلسان الفطرة الصادقة العارفة الواض*ة يقرر قراره الأخير في وجه قومه المكذبين المهددين المتوعدين. لأن صوت الفطرة في قلبه أقوى من كل تهديد ومن كل تكذيب: (إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ) هكذا ألقى بكلمة الإيمان الواثقة المطمئنة. وأشهدهم عليها. وهو يو*ي إليهم أن يقولوها كما قالها. أو أنه لا يبالي بهم ماذا يقولون!
    استشهاد الرجل ودخوله الجنة:
    ويو*ي سياق القصة بعد ذلك القوم الكافرين قتلوا الرجل المؤمن. وإن كان لا يذكر شيئاً من هذا صرا*ة. إنما يسدل الستار على الدنيا وما فيها, وعلى القوم وما هم فيه; ويرفعه لنرى هذا الشهيد الذي جهر بكلمة ال*ق, متبعاً صوت الفطرة, وقذف بها في وجوه من يملكون التهديد والتنكيل. نراه في العالم الآخر. ونطلع على ما ادخر الله له من كرامة. تليق بمقام المؤمن الشجاع المخلص الشهيد: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ .. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ).
    وتتصل ال*ياة الدنيا بال*ياة الآخرة. ونرى الموت نقلة من عالم الفناء إلى عالم البقاء. وخطوة يخلص بها المؤمن من ضيق الأرض إلى سعة الجنة. ومن تطاول الباطل إلى طمأنينة ال*ق. ومن تهديد البغي إلى سلام النعيم. ومن ظلمات الجاهلية إلى نور اليقين.
    ونرى الرجل المؤمن. وقد اطلع على ما آتاه الله في الجنة من المغفرة والكرامة, يذكر قومه طيب القلب رضي النفس, يتمنى لو يراه قومه ويرون ما آتاه ربه من الرضى والكرامة, ليعرفوا ال*ق, معرفة اليقين.
    إهلاك أص*اب القرية بالصي*ة:
    هذا كان جزاء الإيمان. فأما الطغيان فكان أهون على الله من أن يرسل عليه الملائكة لتدمره. فهو ضعيف ضعيف: (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ .. إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْ*َةً وَا*ِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ). لا يطيل هنا في وصف مصرع القوم, تهويناً لشأنهم, وتصغيراً لقدرهم. فما كانت إلا صي*ة وا*دة أخمدت أنفاسهم. ويسدل الستار على مشهدهم البائس المهين الذليل!
    تجاوز السياق أسماء الأنبياء وقصصهم ليبرز قصة رجل آمن.. لم يذكر لنا السياق اسمه. اسمه لا يهم.. المهم ما وقع له.. لقد آمن بأنبياء الله.. قيل له ادخل الجنة. ليكن ما كان من أمر تعذيبه وقتله. ليس هذا في ال*ساب النهائي شيئا له قيمته. تكمن القيمة في دخوله فور إعلانه أنه آمن. فور قتله





    الى التكمله:8 قصص الانبياء


  8. #8
    Date d'inscription
    mars 2011
    Localisation
    مصر
    Messages
    2 800
    Pouvoir de réputation
    9


    تكمله: 8 قصص الانبياء





    تكمله: 8 قصص الانبياء



    موسى عليه السلام
    نبذة:
    أرسله الله تعالى إلى فرعون وقومه، وأيده بمعجزتين، إ*داهما هي العصا التي تلقف الثعابين، أما الأخرى فكانت يده التي يدخلها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، دعا موسى إلى و*دانية الله ف*اربه فرعون وجمع له الس*رة ليكيدوا له ولكنه هزمهم بإذن الله تعالى، ثم أمره الله أن يخرج من مصر مع من اتبعه، فطارده فرعون بجيش عظيم، ووقت أن ظن أتباعه أنهم مدركون أمره الله أن يضرب الب*ر بعصاه لتكون نجاته وليكون هلاك فرعون الذي جعله الله عبرة للآخرين.
    أرسل موسى وهارون عليهما السلام لأشد الشعوب كرها لل*ق وابتعادا عنه.. لذلك كانت *ياتهما مليئة بالأ*داث والمواقف.
    ولكي نستطيع عرض هذه القصة بالشكل الص*ي*.. تم تقسيمها إلى أربعة أجزاء، كل جزء يتناول مر*لة من مرا*ل *ياة هذين النبيين الكريمين.
    أجزاء القصة:
    الجزء الاول:
    يتناول نشأة موسى عليه السلام، وخروجه من مصر إلى مدين هاربا من فرعون وجنوده، ولقاءه بربه في الوادي المقدس.
    سيرته:
    أثناء *ياة يوسف علي السلام بمصر، ت*ولت مصر إلى التو*يد. تو*يد الله سب*انه، وهي الرسالة التي كان ي*ملها جميع الرسل إلى أقواهم. لكن بعد وفاته، عاد أهل مصر إلى ضلالهم وشركهم. أما أبناء يعقوب، أو أبناء إسرائيل، فقد اختلطوا بالمجتمع المصري، فضلّ منهم من ضل، وبقي على التو*يد من بقي. وتكاثر أبناء إسرائيل وتزايد عددهم، واشتغلوا في العديد من ال*رف.
    ثم *كم مصر ملك جبار كان المصريون يعبدونه. ورأى هذا الملك بني إسرائيل يتكاثرون ويزيدون ويملكون. وسمعهم يت*دثون عن نبوءة تقول إن وا*دا من أبناء إسرائيل سيسقط فرعون مصر عن عرشه. فأصدر الفرعون أمره ألا يلد أ*د من بني إسرائيل، أي أن يقتل أي وليد ذكر. وبدأ تطبيق النظام، ثم قال مستشارون فرعون له، إن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم، والصغار يذب*ون، وهذا سينتهي إلى إفناء بني إسرائيل، فستضعف مصر لقلة الأيدي العاملة بها. والأفضل أن تنظم العملية بأن يذب*ون الذكور في عام ويتركونهم في العام الذي يليه.
    ووجد الفرعون أن هذا ال*ل أسلم. و*ملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يقتل فيه الغلمان، فولدته علانية آمنة. فلما جاء العام الذي يقتل فيه الغلمان ولد موسى. *مل ميلاده خوفا عظيما لأمه. خافت عليه من القتل. را*ت ترضعه في السر. ثم جاءت عليها ليلة مباركة أو*ى الله إليها فيها للأم بصنع صندوق صغير لموسى. ثم إرضاعه ووضعه في الصندوق. وإلقاءه في النهر.
    كان قلب الأم، وهو أر*م القلوب في الدنيا، يمتلئ بالألم وهي ترمي ابنها في النيل، لكنها كانت تعلم أن الله أر*م بموسى منها، والله هو ربه ورب النيل. لم يكد الصندوق يلمس مياه النيل *تى أصدر الخالق أمره إلى الأمواج أن تكون هادئة *انية وهي ت*مل هذا الرضيع الذي سيكون نبيا فيما بعد، ومثلما أصدر الله تعالى أمره للنار أن تكون بردا وسلاما على إبراهيم، كذلك أصدر أمره للنيل أن ي*مل موسى بهدوء ورفق *تى يسلمه إلى قصر فرعون. و*ملت مياه النيل هذا الصندوق العزيز إلى قصر فرعون. وهناك أسلمه الموج للشاطئ.
    رفض موسى للمراضع:
    وفي ذلك الصبا* خرجت زوجة فرعون تتمشى في *ديقة القصر. وكانت زوجة فرعون تختلف كثيرا عنه. فقد كان هو كافرا وكانت هي مؤمنة. كان هو قاسيا وكانت هي ر*يمة. كان جبارا وكانت رقيقة وطيبة. وأيضا كانت *زينة، فلم تكن تلد. وكانت تتمنى أن يكون عندها ولد.
    وعندما ذهبت الجواري ليملأن الجرار من النهر، وجدن الصندوق، ف*ملنه كما هو إلى زوجة فرعون. فأمرتهن أن يفت*نه ففت*نه. فرأت موسى بداخله فأ*ست ب*به في قلبها. فلقد ألقى الله في قلبها م*بته ف*ملته من الصندوق. فاستيقظ موسى وبدأ يبكي. كان جائعا ي*تاج إلى رضعة الصبا* فبكى.
    فجاءت زوجة فرعون إليه، وهي ت*مل بين بيدها طفلا رضيعا. فسأل من أين جاء هذا الرضيع؟ ف*دثوه بأمر الصندوق. فقال بقلب لا يعرف الر*مة: لابد أنه أ*د أطفال بني إسرائيل. أليس المفروض أن يقتل أطفال هذه السنة؟
    فذكّرت آسيا -امرأة فرعون- زوجها بعدم قدرتهم على وطلبت منه أن يسم* لها بتربيته. سم* لها بذلك.
    عاد موسى للبكاء من الجوع. فأمرت بإ*ضار المراضع. ف*ضرت مرضعة من القصر وأخذت موسى لترضعه فرفض أن يرضع منها. ف*ضرت مرضعة ثانية وثالثة وعاشرة وموسى يبكي ولا يريد أن يرضع. فا*تارت زوجة فرعون ولم تكن تعرف ماذا تفعل.
    لم تكن زوجة فرعون هي و*دها ال*زينة الباكية بسبب رفع موسى لجميع المراضع. فلقد كانت أم موسى هي الأخرى *زينة باكية. لم تكد ترمي موسى في النيل *تى أ*ست أنها ترمي قلبها في النيل. غاب الصندوق في مياه النيل واختفت أخباره. وجاء الصبا* على أم موسى فإذا قلبها فارغ يذوب *زنا على ابنها، وكادت تذهب إلى قصر فرعون لتبلغهم نبأ ابنها وليكن ما يكون. لولا أن الله تعالى ربط على قلبها وملأ بالسلام نفسها فهدأت واستكانت وتركت أمر ابنها لله. كل ما في الأمر أنها قالت لأخته: اذهبي بهدوء إلى المدينة و*اولي أن تعرفي ماذا *دث لموسى.
    وذهبت أخت موسى بهدوء ورفق إلى جوار قصر فرعون، فإذا بها تسمع القصة الكاملة. رأت موسى من بعيد وسمعت بكاءه، ورأتهم *ائرين لا يعرفون كيف يرضعونه، سمعت أنه يرفض كل المراضع. وقالت أخت موسى ل*رس فرعون: هل أدلكم على أهل بيت يرضعونه ويكفلونه ويهتمون بأمره ويخدمونه؟
    ففر*ت زوجة فرعون كثيرا لهذا الأمر، وطلبت منها أن ت*ضر المرضعة. وعادت أخت موسى وأ*ضرت أمه. وأرضعته أمه فرضع. وتهللت زوجة فرعون وقالت: "خذيه *تى تنتهي فترة رضاعته وأعيديه إلينا بعدها، وسنعطيك أجرا عظيما على تربيتك له". وهكذا رد الله تعالى موسى لأمه كي تقر عينها ويهدأ قلبها ولا ت*زن ولتعلم أن وعد الله *ق وأن كلماته سب*انه تنفذ رغم أي شيء. ورغم كل شيء.





    نشأة موسى في بيت فرعون:

    أتمت أم موسى رضاعته وأسلمته لبيت فرعون. كان موضع *ب الجميع. كان لا يراه أ*د إلا أ*به. وها هو ذا في أعظم قصور الدنيا يتربى ب*فظ الله وعنايته. بدأت تربية موسى في بيت فرعون. وكان هذا البيت يضم أعظم المربين والمدرسين في ذلك الوقت. كانت مصر أيامها أعظم دولة في الأرض. وكان فرعون أقوى ملك في الأرض، ومن الطبيعي أن يضم قصره أعظم المدربين والمثقفين والمربين في الأرض. وهكذا شاءت *كمة الله تعالى أن يتربى موسى أعظم تربية وأن يتعهده أعظم المدرسين، وأن يتم هذا كله في بيت عدوه الذي سيصطدم به فيما بعد تنفيذا لمشيئة الخالق.
    وكبر موسى في بيت فرعون. كان موسى يعلم أنه ليس ابنا لفرعون، إنما هو وا*د من بني إسرائيل. وكان يرى كيف يضطهد رجال فرعون وأتباعه بني إسرائيل.. وكبر موسى وبلغ أشده.. (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى *ِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا) ورا* يتمشى فيها. فوجد رجلا من اتباع فرعون وهو يقتتل مع رجل من بني إسرائيل، واستغاث به الرجل الضعيف فتدخل موسى وأزا* بيده الرجل الظالم فقتله. كان موسى قويا جدا، ولم يكن يقصد قتل الظالم، إنما أراد إزا*ته فقط، لكن ضربته هذه قتلته. ففوجئ موسى به وقد مات وقال لنفسه: (هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ). ودعا موسى ربه: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي). وغفر الله تعالى له، (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّ*ِيمُ).
    أصب* موسى (فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ). كان هذا *ال موسى، *ال إنسان مطارد، فهو خائف، يتوقع الشر في كل خطوة، وهو مترقب، يلتفت لأوهى ال*ركات وأخفاها.
    ووعد موسى بأن لا يكون ظهيرا للمجرمين. لن يتدخل في المشاجرات بين المجرمين والمشاغبين ليدافع عن أ*د من قومه. وفوجئ موسى أثناء سيره بنفس الرجل الذي أنقذه بالأمس وهو يناديه ويستصرخه اليوم. كان الرجل مشتبكا في عراك مع أ*د المصريين. وأدرك موسى بأن هذا الإسرائيلي مشاغب. أدرك أنه من هواة المشاجرات. وصرخ موسى في الإسرائيلي يعنفه قائلا: (إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ). قال موسى كلمته واندفع ن*وهما يريد البطش بالمصري. واعتقد الإسرائيلي أن موسى سيبطش به هو. دفعه الخوف من موسى إلى استر*امه صارخا، وذكّره بالمصري الذي قتله بالأمس. فتوقف موسى، سكت عنه الغضب وتذكر ما فعله بالأمس، وكيف استغفر وتاب ووعد ألا يكون نصيرا للمجرمين. استدار موسى عائدا ومضى وهو يستغفر ربه.
    وأدرك المصري الذي كان يتشاجر مع الإسرائيلي أن موسى هو قاتل المصري الذي عثروا على جثته أمس. ولم يكن أ*د من المصررين يعلم من القاتل. فنشر هذا المصري الخبر في أرجاء المدينة. وانكشف سر موسى وظهر أمره. وجاء رجل مصري مؤمن من أقصى المدينة مسرعا. ونص* موسى بالخروج من مصر، لأن المصريين ينوون قلته.
    لم يذكر القرآن الكريم اسم الرجل الذي جاء ي*ذر موسى. ونرج* أنه كان رجلا مصريا من ذوي الأهمية، فقد اطلع على مؤامرة ت*اك لموسى من مستويات عليا، ولو كان شخصية عادية لما عرف. يعرف الرجل أن موسى لم يكن يست*ق القتل على ذنبه بالأمس.. لقد قتل الرجل خطأ. فيجب أن تكون عقوبته السجن على أقصى تقدير.
    لكن رؤساء القوم وعليتهم، الذين يبدوا أنهم كانوا يكرهون موسى لأنه من بني إسرائيل، ولأنه نجى من العام الذي يقتل فيه كل مولود ذكر، وجدوا هذه الفرصة مناسبة للتخلص من موسى، فهو قاتل المصري، لذا فهو يست*ق القتل.
    خرج موسى من مصر على الفور. خائفا يتلفت ويتسمع ويترقب. في قلبه دعاء لله (رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). وكان القوم ظالمين *قا. ألا يريدون تطبيق عقوبة القتل العمد عليه، وهو لم يفعل شيئا أكثر من أنه مد يده وأزا* رجلا فقتله خطأ؟
    خرج موسى من مصر على عجل. لم يذهب إلى قصر فرعون ولم يغير ملابسه ولم يأخذ طعاما للطريق ولم يعد للسفر عدته. لم يكن معه دابة ت*مله على ظهرها وتوصله. ولم يكن في قافلة. إنما خرج بمجرد أن جاءه الرجل المؤمن و*ذره من فرعون ونص*ه أن يخرج. اختار طريقا غير مطروق وسلكه. دخل في الص*راء مباشرة واتجه إلى *يث قدرت له العناية الإلهية أن يتجه. لم يكن موسى يسير قاصدا مكانا معينا. هذه أول مرة يخرج فيها ويعبر الص*راء و*ده.

    موسى في مدين:
    ظل يسير بنفسية المطارد *تى وصل إلى مكان. كان هذا المكان هو مدين. جلس يرتا* عند بئر عظيمة يسقي الناس منها دوابهم. وكان خائفا طوال الوقت أن يرسل فرعون من وراءه من يقبض عليه.
    لم يكد موسى يصل إلى مدين *تى ألقى بنفسه ت*ت شجرة واسترا*. نال منه الجوع والتعب، وسقطت نعله بعد أن ذابت من مشقة السير على الرمال والصخور والتراب. لم تكن معه نقود لشراء نعل جديدة. ولم تكن معه نقود لشراء طعام أو شراب. لا*ظ موسى جماعة من الرعاة يسقون غنمهم، ووجد امرأتين تكفان غنمهما أن يختلطا بغنم القوم، أ*س موسى بما يشبه الإلهام أن الفتاتين في *اجة إلى المساعدة. تقدم منهما وسأل هل يستطيع أن يساعدهما في شيء.
    قالت إ*داهما: ن*ن ننتظر أن ينتهي الرعاة من سقي غنمهم لنسقي.
    سأل موسى: ولماذا لا تسقيان؟
    قالت الأخرى: لا نستطيع أن نزا*م الرجال.
    اندهش موسى لأنهما ترعيان الغنم. المفروض أن يرعى الرجال الأغنام. هذه مهمة شاقة ومتعبة وت*تاج إلى اليقظة.
    سأل موسى: لماذا ترعيان الغنم؟
    فقالت وا*دة منهما: أبونا شيخ كبير لا تساعده ص*ته على الخروج كل يوم للرعي.
    فقال موسى: سأسقي لكما.
    سار موسى ن*و الماء. وسقى لهم الغنم مع بقية الرعاة. وفي رواية أن أن الرعاة قد وضعوا على فم البئر بعد أن انتهوا منها صخرة ضخمة لا يستطيع أن ي*ركها غير عدد من الرجال. فرفع موسى الصخرة و*ده. وسقى لهما الغنم وأعاد الصخرة إلى مكانها، وتركهما وعاد يجلس ت*ت ظل الشجرة. وتذكر ل*ظتها الله وناداه في قلبه: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ).
    عادت الفتاتان إلى أبيهما الشيخ.
    سأل الأب: عدتما اليوم سريعا على غير العادة؟!
    قالت إ*داهما: تقابلنا مع رجل كريم سقى لنا الغنم.
    فقال الأب لابنته: اذهبي إليه وقولي له: (إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ) ليعطيك (أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا).
    ذهبت وا*دة من الفتاتين إلى موسى، ووقفت أمامه وأبلغته رسالة أبيها. فنهض موسى وبصره في الأرض. إنه لم يسق لهما الغنم ليأخذ منهن أجرا، وإنما ساعدهما لوجه الله، غير أنه أ*س في داخله أن الله هو الذي يوجه قدميه فنهض. سارت البنت أمامه. هبت الريا* فضربت ثوبها فخفض موسى بصره *ياء وقال لها: سأسير أنا أمامك ونبهيني أنت إلى الطريق.
    وصلا إلى الشيخ. قال بعض المفسرين إن هذا الشيخ هو النبي شعيب. عمر طويلا بعد موت قومه. وقيل إنه ابن أخي شعيب. وقيل ابن عمه، وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب الذين آمنوا به. لا نعرف أكثر من كونه شيخا صال*ا.
    قدم له الشيخ الطعام وسأله: من أين قدم وإلى أين سيذهب؟ *دثه موسى عن قصته. قال الشيخ: (لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ). هذه البلاد لا تتبع مصر، ولن يصلوا إليك هنا. اطمأن موسى ونهض لينصرف.
    قالت ابنة الشيخ لأبيها همسا: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ).
    سألها الأب: كيف عرفت أنه قوي؟
    قالت: رفع و*ده صخرة لا يرفعها غير عدد رجال.
    سألها: وكيف عرفت أنه أمين؟
    قالت: رفض أن يسير خلفي وسار أمامي *تى لا ينظر إلي وأنا أمشي. وطوال الوقت الذي كنت أكلمه فيه كان يضع عينيه في الأرض *ياء وأدبا
    وعاد الشيخ لموسى وقال له: أريد يا موسى أن أزوجك إ*دى ابنتي على أن تعمل في رعي الغنم عندي ثماني سنوات، فإن أتممت عشر سنوات، فمن كرمك، لا أريد أن أتعبك، (سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِ*ِينَ). قال موسى: هذا اتفاق بيني وبينك. والله شاهد على اتفاقنا. سواء قضيت السنوات الثمانية، أو العشر سنوات فأنا *ر بعدها في الذهاب.
    يخوض الكثيرون في تيه من الأقاصيص والروايات، *ول أي ابنتي الشيخ تزوج، وأي المدتين قضى. والثابت أن موسى تزوج إ*دى ابنتي الشيخ. لا نعرف من كانت، ولا ماذا كان اسمها. وهذه الأمور سكت عنها السياق القرآني. إلا أنه استنادا إلى طبيعة موسى وكرمه ونبوته وكونه من أولي العزم. نرى أنه قضى الأجل الأكبر. وهذا ما يؤكده *ديث ابن عباس رضي الله عنهما. وهكذا عاش موسى يخدم الشيخ عشر سنوات كاملة.

    موسى ورعي الغنم:
    وكان عمل موسى ين*صر في الخروج مع الفجر كل يوم لرعي الأغنام والسقاية لها.
    ولنقف هنا وقفة تدبر. إن قدرة الإلهية نقلت خطى موسى -عليه السلام- خطوة بخطوة. منذ أن كان رضيعا في المهد *تى هذه الل*ظة. ألقت به في اليم ليلتقطه آل فرعون. وألقت عليه م*بة زوجة فرعون لينشأ في كنف عدوّه. ودخلت به المدينة على *ين غفلة من أهلها ليقتل نفسا. وأرسلت إليه بالرجل المؤمن من آل فرعون لي*ذره وينص*ه بالخروج من مصر. وصا*بته في الطريق الص*راوي من مصر إلى مدين وهو و*يد مطارد من غير زاد ولا استعداد. وجمعته بالشيخ الكبير ليأجره هذه السنوات العشر. ثم ليعود بعدها فيتلقى التكليف.
    هذا خط طويل من الرعاية والتوجيه، قبل النداء والتكليف. تجربة الرعاية وال*ب والتدليل. تجربة الاندفاع ت*ت ضغط الغيظ ال*بيس، وتجربة الندم والاستغفار. وتجربة الخوف والمطاردة. وتجربة الغربة والو*دة والجوع. وتجربة الخدمة ورغي الغنم بعد *ياة القصور. وما يتخلل هذه التجارب الضخمة من تجارب صغيرة، ومشاعر وخواطر، وإدراك ومعرفة. إلى جانب ما آتاه الله *ين بلغ أشده من العلم وال*كمة.
    إن الرسالة تكليف ضخم شاق، ي*تاج صا*به إلى زاد ضخم من التجارب والإدراك والمعرفة، إلى جانب و*ي الله وتوجيهه. ورسالة موسى تكليف عظيم، فهو مرسل إلى فرعون الطاغية المتجبر، أعتى ملوك الأرض في زمانه، وأشدهم استعلاء في الأرض. وهو مرسل لاستنقاذ قوم قد شربوا من كؤوس الذل *تى استمرأوا مذاقه. فاستنقاذ قوم كهؤلاء عمل شاق عسير.
    فتجربة السنوات العشر جاءت لتفصل بين *ياة القصور التي نشأ فيها موسى -عليه السلام- و*ياة الجهد الشاق في الدعوة وتكاليفها العسيرة. فل*ياة القصور جوا وتقاليد خاصة. أما الرسالة فهي معاناة لجماهير من الناس فيهم الغني والفقير، المهذب والخشن، القوي والضعيف، وفيهم وفيهم. وللرسالة تكاليفها من المشقة ومن التجرد أ*يانا، وقلوب أهل القصور في الغالب لا تصبر طويلا على الخشونة وال*رمان والمشقة.
    فلما استكملت نفس موسى -عليه السلام- تجاربها، وأكملت مرانها، بهذه التجربة الأخيرة في دار الغرة. قادت القدرة الإلهية خطاه مرة أخرى عائدة به إلى مهبط رأسه، ومقر أهله وقومه، ومجال عمله. وهكذا نرى كيف صُنِعَ موسى على عين الله، وكيف تم إعداده لتلقي التكليف.


    ---
    عودة موسى لمصر:

    ترى أي خاطر راود موسى، فعاد به إلى مصر، بعد انقضاء الأجل، وقد خرج منها خائفا يترقب؟ وأنساه الخطر الذي ينتظره بها، وقد قتل فيها نفسا؟ وهناك فرعون الذي كان يتآمر مع الملأ من قومه ليقتلوه؟
    إنها قدرة الله التي تنقل خطاه كلها. لعلها قادته هذه المرة بالميل الفطري إلى الأهل والعشيرة والوطن. وأنسته الخطر الذي خرج هاربا منه و*يدا طريدا. ليؤدي المهمة التي خلق لها.
    خرج موسى مع أهله وسار. اختفى القمر وراء أسراب من الس*اب الكثيف وساد الظلام. اشتد البرق والرعد وأمطرت السماء وزادت *دة البرد والظلام. وتاه موسى أثناء سيره. ووقف موسى *ائرا يرتعش من البرد وسط أهله.. ثم رفع رأسه فشاهد نارا عظيمة تشتعل عن بعد. امتلأ قلبه بالفر* فجأة. قال لأهله: أني رأيت نارا هناك.
    أمرهم أن يجلسوا مكانهم *تى يذهب إلى النار لعله يأتيهم منها بخبر، أو يجد أ*دا يسأله عن الطريق فيهتدي إليه، أو ي*ضر إليهم بعض أخشابها المشتعلة لتدفئتهم.
    وت*رك موسى ن*و النار. سار موسى مسرعا ليدفئ نفسه. يده اليمنى تمسك عصاه. جسده مبلل من المطر. ظل يسير *تى وصل إلى واد يسمونه طوى. لا*ظ شيئا غريبا في هذا الوادي. لم يكن هناك برد ولا ريا*. ثمة صمت عظيم ساكن. واقترب موسى من النار. لم يكد يقترب منها *تى نودي: (أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ *َوْلَهَا وَسُبْ*َانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
    نظر موسى في النار فوجد شجرة خضراء. كلما زاد تأجج النار زادت خضرة الشجرة. والمفروض أن تت*ول الشجرة إلى اللون الأسود وهي ت*ترق. لكن النار تزيد واللون الأخضر يزيد. كانت الشجرة في جبل غربي عن يمينه، وكان الوادي الذي يقف فيه هو وادي طوى.
    ثم ارتجت الأرض بالخشوع والرهبة والله عز وجل ينادي: يَا مُوسَى
    فأجاب موسى: نعم.
    قال الله عز وجل: إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
    ازداد ارتعاش موسى وقال: نعم يا رب.
    قال الله عز وجل: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى
    ان*نى موسى راكعا وجسده كله ينتفض وخلع نعليه.
    عاد ال*ق سب*انه وتعالى يقول: وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُو*َى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) (طه)
    زاد انتفاض جسد موسى وهو يتلقى الو*ي الإلهي ويستمع إلى ربه وهو يخاطبه.
    قال الر*من الر*يم: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى
    ازدادت دهشة موسى. إن الله سب*انه وتعالى هو الذي يخاطبه، والله يعرف أكثر منه أنه يمسك عصاه. لماذا يسأله الله إذن إذا كان يعرف أكثر منه؟! لا شك أن هناك *كمة عليا لذلك.
    أجاب موسى: قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى
    قال الله عز وجل: أَلْقِهَا يَا مُوسَى
    رمى موسى العصا من يده وقد زادت دهشته. وفوجئ بأن العصا تت*ول فجأة إلى ثعبان عظيم ال*جم هائل الجسم. ورا* الثعبان يت*رك بسرعة. ولم يستطع موسى أن يقاوم خوفه. أ*س أن بدنه يتزلزل من الخوف. فاستدار موسى فزعا وبدأ يجري. لم يكد يجري خطوتين *تى ناداه الله: يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ.
    عاد موسى يستدير ويقف. لم تزل العصا تت*رك. لم تزل ال*ية تت*رك.
    قال الله سب*انه وتعالى لموسى: خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى
    مد موسى يده لل*ية وهو يرتعش. لم يكد يلمسها *تى ت*ولت في يده إلى عصا. عاد الأمر الإلهي يصدر له: اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَا*َكَ مِنَ الرَّهْبِ
    وضع موسى يده في جيبه وأخرجها فإذا هي تتلألأ كالقمر. زاد انفعال موسى بما ي*دث، وضع يده على قلبه كما أمره الله فذهب خوفه تماما..
    اطمأن موسى وسكت. وأصدر الله إليه أمرا بعد هاتين المعجزتين -معجزة العصا ومعجزة اليد- أن يذهب إلى فرعون ليدعوه إلى الله برفق ولين، ويأمره أن يخرج بني إسرائيل من مصر. وأبدى موسى خوفه من فرعون. قال إنه قتل منهم نفسا ويخاف أن يقتلوه. توسل إلى الله أن يرسل معه أخاه هارون. طمأن الله موسى أنه سيكون معهما يسمع ويرى، وأن فرعون رغم قسوته وتجبره لن يمسهما بسوء. أفهم الله موسى أنه هو الغالب. ودعا موسى وابتهل إلى الله أن يشر* له صدره وييسر أمره ويمن*ه القدرة على الدعوة إليه. ثم قفل موسى راجعا لأهله بعد اصطفاء الله واختياره رسولا إلى فرعون. ان*در موسى بأهله قاصدا مصر.
    يعلم الله و*ده أي أفكار عبرت ذهن موسى وهو ي*ث خطاه قاصدا مصر. انتهى زمان التأمل، وانطوت أيام الرا*ة، وجاءت الأوقات الصعبة أخيرا، وها هو ذا موسى ي*مل أمانة ال*ق ويمضي ليواجه بها بطش أعظم جبابرة عصره وأعتاهم. يعلم موسى أن فرعون مصر طاغية. يعلم أنه لن يسلمه بني إسرائيل بغير صراع. يعلم أنه سيقف من دعوته موقف الإنكار والكبرياء والتجاهل. لقد أمره الله تعالى أن يذهب إلى فرعون. أن يدعوه بلين ورفق إلى الله. أو*ى الله لموسى أن فرعون لن يؤمن. ليدعه موسى وشأنه. وليركز على إطلاق سرا* بني إسرائيل والكف عن تعذيبهم. قال تعالى لموسى وهارون: (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ). هذه هي المهمة الم*ددة. وهي مهمة سوف تصطدم بآلاف العقبات. إن فرعون يعذب بني إسرائيل ويستعبدهم ويكلفهم من الأعمال ما لا طاقة لهم به، ويست*يي نسائهم، ويذب* أبنائهم، ويتصرف فيهم كما لو كانوا ملكا خاصا ورثه مع ملك مصر. يعلم موسى أن النظام المصري يقوم في بنيانه الأساسي على استعباد بني إسرائيل واستغلال عملهم وجهدهم وطاقاتهم في الدولة، فهل يفرط الفرعون في بناء الدولة الأساسي ببساطة ويسر؟ ذهبت الأفكار وجاءت، فاختصرت مشقة الطريق. ورفع الستار عن مشهد المواجهة


    ---
    الجزء الثاني:
    يتناول عوده موسى عليه السلام لمصر داعيا إلى الله و*ده، والصراع بين موسى وفرعون في مصر، وغرق فرعون وجنوده.

    مواجهة فرعون:
    واجه موسى فرعون بلين ورفق كما أمره الله. و*دثه عن الله. عن ر*مته وجنته. عن وجوب تو*يده وعبادته. *اول إيقاظ جوانبه الإنسانية في ال*ديث. ألم* إليه أنه يملك مصر، ويستطيع لو أراد أن يملك الجنة. وكل ما عليه هو أن يتقي الله. استمع فرعون إلى *ديث موسى ضجرا شبه هازئ وقد تصوره مجنونا تجرأ على مقامه السامي. ثم سأل فرعون موسى ماذا يريد. فأجاب موسى أنه يريد أن يرسل معه بني إسرائيل.

    ويعجب فرعون وهو يرى موسى يواجهه بهذه الدعوى العظيمة، ويطلب إليه ذلك الطلب الكبير. فآخر عهد فرعون بموسى أنهم ربوه في قصره بعد أن التقطوا تابوته. وأنه هرب بعد قتله للقبطي الذي وجده يتعارك مع الإسرائيلي. فما أبعد المسافة بين آخر عهد فرعون بموسى إذن وهذه الدعوى العظيمة التي يواجهه بها بعد عشر سنين! ومن ثم بدأ فرعون يذكره بماضيه. يذكره بتربيته له فهل هذا جزاء التربية والكرامة التي لقيتها عندنا وأنت وليد؟ لتأتي الآن لتخالف ديانتنا، وتخرج على الملك الذي تربيت في قصره، وتدعوا إلى إله غيره؟!

    ويذكره ب*ادث مقتل القبطي في تهويل وتجسيم. فلا يت*دث عنها بصري* العبارة وإنما يقول (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ) فعلتك البشعة الشنيعة (وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) برب العالمين الذي تقول به اليوم، فأنت لم تكن وقتها تت*دث عن رب العالمين! لم تت*دث بشيء عن هذه الدعوى التي تدعيها اليوم؛ ولم تخطرنا بمقدمات هذا الأمر العظيم؟!

    وظن فرعون أنه رد على موسى ردا لن يملك معه جوابا. إلا أن الله استجاب لدعاء موسى من قبل، فانطلق لسانه: (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) فعلت تلك الفعلة وأنا بعد جاهل، أندفع اندفاع العصبية لقومي، لا اندفاع العقيدة التي عرفتها اليوم بما أعطاني ربي من ال*كة. (فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ) على نفسي. فقسم الله لي الخير فوهب لي ال*كمة (وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ).

    ويكمل موسى خطابه لفرعون بنفس القوة: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ) فما كانت تربيتي في بيتك وليدا إلا من جراء استعبادك لبني إسرائيل، وقتل أبنائهم، مما دفع أمي لوضعي في التابوت وإلقاءه في اليم، فتلتقطه فأتربى في بيتك، لا في بيت أبويّ. فهل هذا هو ما تمنه علي، وهل هذا هو فضلك العظيم؟!

    عند هذا ال*د تدخل الفرعون في ال*ديث.. قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ
    قال موسى: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إن كُنتُم مُّوقِنِينَ
    التفت فرعون لمن *وله وقال هازئا: أَلَا تَسْتَمِعُونَ
    قال موسى متجاوزا سخرية الفرعون: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
    قال فرعون مخاطبا من جاءوا مع موسى من بني إسرائيل: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
    عاد موسى يتجاوز اتهام الفرعون وسخريته ويكمل: رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

    نلا*ظ أن فرعون لم يكن يسأل موسى عن رب العالمين أو رب موسى وهارون بقصد السؤال البريء والمعرفة. إنما كان يهزأ. ولقد أجابه موسى إجابة جامعة مانعة م*كمة (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى). هو الخالق. خالق الأجناس جميعا والذوات جميعا. وهو هاديها بما ركب في فطرتها وجبلتها من خواص تهديها لأسباب عيشها. وهو الموجه لها على أي *ال. وهو القابض على ناصيتها في كل *ال. وهو العليم بها والشاهد عليها في جميع الأ*وال.

    لم تؤثر هذه العبارة الرائعة والموجزة في فرعون. وها هو ذا يسأل: (فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) لم تعبد ربك هذا؟

    لم يزل فرعون ماضيا في استكباره واستهزائه. ويرد موسى ردا يستلفته إلى أن القرون الأولى التي لم تعبد الله، والتي عبدته معا، لن تترك بغير مساءلة وجزاء. كل شيء معلوم عند الله تعالى. هذه القرون الأولى (عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ). أ*صى الله ما عملوه في كتاب. (لَّا يَضِلُّ رَبِّي). أي لا يغيب عنه شيء. (وَلَا يَنسَى). أي لا يغيب عن شيء. ليطمئن الفرعون بالا من نا*ية القرون الأولى والأخيرة وما بينهما. إن الله يعرف كل شيء ويسجل عليها ما عملته ولا يضيع شيئا من أجورهم.

    ثم استلفت موسى نظر فرعون إلى آيات الله في الكون. ودار به مع *ركة الريا* والمطر والنبات وأوصله مرة ثانية إلى الأرض، وهناك افهمه أن الله خلق الإنسان من الأرض، وسيعيده إليها بالموت، ويخرجه منها بالبعث، إن هناك بعثا إذن. وسيقف كل إنسان يوم القيامة أمام الله تعالى. لا استثناء لأ*د. سيقف كل عباد الله وخلقه أمامه يوم القيامة. بما في ذلك الفرعون. بهذا جاء موسى مبشرا ومنذرا.

    لم يعجب فرعون هذا النذير، وتصاعد ال*وار بينه وبين موسى. فالطغيان لا يخشى شيئا كخشيته يقظة الشعوب، وص*وة القلوب؛ ولا يكره أ*دا كما يكره الداعين إلى الوعي واليقظة؛ ولا ينقم على أ*د كما ينقم على من يهزون الضمائر الغافية. لذلك هاج فرعون على موسى وثار، وأنهى ال*وار معه بالتهديد الصري*. وهذا هو سلا* الطغاة عندما يفتقرون لل*ج والبراهين والمنطق: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ).

    إلا أن موسى -عليه السلام- لم يفقد رباطة جأشه. كيف يفقدها وهو رسول الله، والله معه ومع أخيه؟ وبدأ الإقناع بأسلوب جديد، وهو إظهار المعجزة (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُّبِينٍ) فهو يت*دى فرعون، وي*رجه أمام ملأه، فلو رفض فرعون الإصغاء، سيظهر واض*ا أنه خائف من *جة موسى (قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ).

    ألقى موسى عصاه في ردهة القصر العظيمة. لم تكد العصا تلمس الأرض *تى ت*ولت إلى ثعبان هائل يت*رك بسرعة. ثم أدخل يده في جيبه وأخرجها فإذا هي بيضاء كالقمر.

    ت*دي الس*رة:

    وتبدأ الجولة الثانية بين ال*ق والباطل. *يث شاور فرعون الملأ من *وله فيما يجب فعله. والملأ لهم مصل*ة في أن تبقى الأمور على ما هي عليه، فهم مقربون من فرعون، ولهم نفوذ وسلطان. فأشاروا أن يرد على س*ر موسى بس*ر مثله، فيجمع الس*رة لت*دي موسى وأخاه.

    *دد الميقات، وهو يوم الزينة. وبدأت *ركة إعداد الجماهير وت*ميسهم فدعوهم للتجمع وعدم التخلف عن الموعد، ليراقبوا فوز الس*رة وغلبتهم على موسى الإسرائيلي! والجماهير دائما تتجمع لمثل هذه الأمور.

    أما الس*رة، فقد ذهبوا لفرعون ليطمئنون على الأجر والمكافأة إن غلبوا موسى. فهم جماعة مأجورة، تبذل مهارتها مقابل الأجر الذي تنتظره؛ ولا علاقة لها بعقيدة ولا صلة لها بقضية، ولا شيء سوى الأجر والمصل*ة. وهم هم ألاء يستوثقون من الجزاء على تعبهم ولعبهم وبراعتهم في الخداع. وها هو ذا فرعون يعدهم بما هو أكثر من الأجر. يعدهم أن يكونوا من المقربين إليه. وهو بزعمه الملك والإله!

    وفي سا*ة المواجهة. والناس مجتمعون، وفرعون ينظر. *ضر موسى وأخاه هارون عليهما السلام، و*ضر الس*رة وفي أيديهم كل ما أتقنوه من ألعاب و*يل، وكلهم ثقة بفوزهم في هذا الت*دي. لذا بدءوا بتخيير موسى: (إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى) وتتجلى ثقة موسى -عليه السلام- في الجانب الآخر واستهانته بالت*دي (بَلْ أَلْقُوا) فرمى الس*رة عصيهم و*بالهم بعزة فرعون (فَأَلْقَوْا *ِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَ*ْنُ الْغَالِبُونَ).

    رمى الس*رة بعصيهم و*بالهم فإذا المكان يمتلئ بالثعابين فجأة (سَ*َرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِ*ْرٍ عَظِيمٍ). و*سبنا أن يقرر القرآن الكريم أنه س*ر عظيم (وَجَاءوا بِسِ*ْرٍ عَظِيمٍ)، لندرك أي س*ر كان. و*سبنا أن نعلم أنهم (سَ*َرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ) وأثاروا الرهبة في قلوبهم (وَاسْتَرْهَبُوهُمْ) لنتصور أي س*ر كان. فنظر موسى عليه السلام إلى *بال الس*رة وعصيهم وشعر بالخوف.

    في هذه الل*ظة، يذكّره ربّه بأن معه القوة الكبرى. فهو الأعلى. ومعه ال*ق، أما هم فمعهم الباطل. معه العقيدة ومعهم ال*رفة. معه الإيمان بصدق الذي دفعه لما هو فيه ومعهم الأجر على المباراة ومغانم ال*ياة. موسى متصل بالقوة الكبرى والس*رة يخدمون مخلوقا بشريا فانيا مهما يكن طاغية جبارا.

    لا تخف (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ) وستهزمهم، فهو س*ر من تدبير سا*ر وعمله. والسا*ر لا يفل* أنى ذهب وفي أي طريق سار، لأنه يعتمد على الخيال والإيهام والخداع، ولا يعتمد على *قيقة ثابتة باقية.

    اطمأن موسى ورفع عصاه وألقاها. لم تكد عصا موسى تلامس الأرض *تى وقعت المعجزة الكبرى. وضخامة المعجزة *ولت مشاعر ووجدان الس*رة، الذين جاءوا للمباراة وهم أ*رص الناس على الفوز لنيل الأجر. الذي بلغت براعتهم ل*د أن يشعر موسى بالخوف من عملهم. ت*ولت مشاعرهم ب*يث لم يسعفهم الكلام للتعبير: (فَأُلْقِيَ السَّ*َرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى).

    إنه فعل ال*ق في الضمائر. ونور ال*ق في المشاعر، ولمسة ال*ق في القلوب المهيأة لتلقي ال*ق والنور واليقين. إن الس*رة هم أعلم الناس ب*قيقة فنهم، ومدى ما يمكن أن يبلغ إليه. وهم أعرف الناس بالذي جاء به موسى. فهم أعلم إن كان هذا من عمل بشر أو سا*ر، أو أنه من القدرة التي تفوق قدرة البشر والس*ر. والعالم في فنه هو أكثر الناس استعدادا للتسليم بال*قيقة *ين تتكشف له، لأنه أقرب إدراكا لهذه ال*قيقة، ممن لا يعرفون في هذا الفن إلا القشور. ومن هنا ت*ول الس*رة من الت*دي السافر إلى التسليم المطلق، الذي يجددون برهانه في أنفسهم عن يقين.

    هزت هذه المفاجأة العرش من ت*ته. مفاجأة استسلام الس*رة -وهم من كهنة المعابد- لرب العالمين. رب موسى وهارون. بعد أن تم جمعهم لإبطال دعوة موسى وهارون لرب العالمين! ولأن العرش والسلطان أهم شيء في *يات الطواغيت، فهم مستعدون لارتكاب أي جريمة في سبيل الم*افظة عليهما.

    تسائل فرعون مستغربا (آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ) كأنما كان عليهم أن يستأذنوه في أن يعودوا لل*ق. لكنه طاغية متكبر متجبر أعمى السلطان عينيه عن ال*ق. ويزيد في طغيانه فيقول (إِنَّ هَـذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا) إن غلبته لكم في يومكم هذا إنما كان عن تشاور منكم ورضا منكم لذلك، وهو يعلم وكل من له عقل أن هذا الذي قاله من أبطل الباطل. ويظل الطاغية يتهدد (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) ويتوعد (لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلاَفٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) لكن النفس البشرية *ين تستيقن *قيقة الإيمان، تستعلي على قوة الأرض، وتستهين ببأس الطغاة، وتنتصر فيها العقيدة على ال*ياة, وتختار الخلود الدائم على ال*ياة الفانية. (قَالُواْ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ) إنه الإيمان الذي لا يتزعزع ولا يخضع.

    ويعلن الس*رة *قيقة المعركة (وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا) فلا يطلبون الصف* والعفو من عدوّهم، إنما يطلبون الثبات والصبر من ربهم (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِين). فيقف الطغيان عاجزا أما هذا الوعي وهذا الاطمئنان. عاجزا عن رد هؤلاء المؤمنين لطريق الباطل من جديد. فينفذ تهديده، ويصلبهم على جذوع النخل.







    الى التكمله: 9 قصص الانبياء

  9. #9
    Date d'inscription
    mars 2011
    Localisation
    مصر
    Messages
    2 800
    Pouvoir de réputation
    9


    تكمله: 9 قصص الانبياء





    تكمله: 9 قصص الانبياء



    التآمر على موسى ومن آمن معه:
    وتبدأ جولة جديدة بين ال*ق والباطل. فهاهم علية القوم من المصريين، يتآمرون وي*رضون فرعون ويهيجونه على موسى ومن آمن معه، ويخوّفونه من عاقبة التهاون معهم. وهم يرون الدعوة إلى ربوبية الله و*دة إفسادا في الأرض. *يث يترتب عليها بطلان شرعية *كم فرعون ونظامه كله. وقد كان فرعون يستمد قوته من ديانتهم الباطلة، *يث كان فرعون ابن الآلهة. فإن عبد موسى ومن معه الله رب العالمين، لن تكون لفرعون أي سطوة عليهم. فاستثارت هذه الكلمات فرعون، وأشعرته بالخطر ال*قيقي على نظامه كله ففكر بو*شيته المعتادة وقرر (قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَ*ْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ).
    لم يكن هذا التنكيل الو*شي جديدا على بني إسرائيل. فقد نُفِّذ عليهم هذا ال*كم في إبان مولد موسى عليه السلام. فبدأ موسى -عليه السلام- يوصي قومه با*تمال الفتنة، والصبر على البلية، والاستعانة بالله عليها. وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده. والعاقبة لمن يتقي الله ولا يخشى أ*دا سواه (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
    إلا أن قومه بدءوا يشتكون من العذاب الذي *ل بهم (قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا) إنها كلمات ذات ظل! وإنها لتشي بما وراءها من تبرم! أوذينا قبل مجيئك وما تغير شيء بمجيئك. وطال هذا الأذى *تى ما تبدو له نهاية! فيمضي النبي الكريم على نهجه. يذكرهم بالله، ويعلق رجاءهم به، ويلو* لهم بالأمل في هلاك عدوهم. واستخلافهم في الأرض. مع الت*ذير من فتنة الاستخلاف، فاستخلاف الله لهم إنما هو ابتلاء لهم، فهو استخلاف للامت*ان: (قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ).
    وينقلنا القرآن الكريم إلى فصل آخر من قصة موسى عليه السلام. ومشهد آخر من مشاهد المواجهة بين ال*ق والباطل. *يث ي*كي لما قصة تشاور فرعون مع الملأ في قتل موسى. (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) أما موسى عليه السلام فالتجأ إلى الركن الركين، وال*صن ال*صين، ولاذ ب*امي اللائذين، ومجير المستجيرين (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْ*ِسَابِ).

    موقف الرجل المؤمن من آل فرعون:
    كادت فكرة فرعون أن ت*صل على التصديق لولا رجل من آل فرعون. رجل من رجال الدولة الكبار، لا يذكر القرآن اسمه، لأن اسمه لا يهم، لم يذكر صفته أيضا لأن صفته لا تعني شيئا، إنما ذكر القرآن أنه رجل مؤمن. ذكره بالصفة التي لا قيمة لأي صفة بعدها.
    ت*دث هذا الرجل المؤمن، وكان (يَكْتُمُ إِيمَانَهُ)، ت*دث في الاجتماع الذي طر*ت فيه فكرة قتل موسى وأثبت عقم الفكرة وسط*يتها. قال إن موسى لم يقل أكثر من أن الله ربه، وجاء بعد ذلك بالأدلة الواض*ة على كونه رسولا، وهناك ا*تمالان لا ثالث لهما: أن يكون موسى كاذبا، أو يكون صادقا، فإذا كان كاذبا (فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ)، وهو لم يقل ولم يفعل ما يستوجب قتله. وإذا كان صادقا وقتلناه، فما هو الضمان من نجاتنا من العذاب الذي يعدنا به؟
    ت*دث المؤمن الذي يكتم إيمانه فقال لقومه: إننا اليوم في مراكز ال*كم والقوة. من ينصرنا من بأس الله إذا جاء؟ ومن ينقذنا من عقوبته إذا *لت؟ إن إسرافنا وكذبنا قد يضيعاننا.
    وبدت كلماته مقنعة. إنه رجل ليس متهما في ولائه لفرعون. وهو ليس من أتباع موسى. والمفروض أنه يتكلم بدافع ال*رص على عرش الفرعون. ولا شيء يسقط العروش كالكذب والإسراف وقتل الأبرياء.
    ومن هذا الموضع استمدت كلمات الرجل المؤمن قوتها. بالنسبة إلى فرعون ووزرائه ورجاله. ورغم أن فرعون وجد فكرته في قتل موسى، صريعة على المائدة. رغم تخويف الرجل المؤمن لفرعون. رغم ذلك قال الفرعون كلمته التاريخية التي ذهبت مثلا بعده لكل الطغاة: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَاد
    هذه كلمة الطغاة دائما *ين يواجهون شعوبهم (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى). هذا رأينا الخاص، وهو رأي يهديكم سبيل الرشاد. وكل رأي غيره خاطئ. وينبغي الوقوف ضده واستئصاله.
    لم تتوقف المناقشة عند هذا ال*د. قال فرعون كلمته ولكنه لم يقنع بها الرجل المؤمن. وعاد الرجل المؤمن يت*دث وأ*ضر لهم أدلة من التاريخ، أدلة كافية على صدق موسى. و*ذّرهمخ من المساس به. لقد سبقتهم أمم كفرت برسلها، فأهلكها الله: قوم نو*، قوم عاد، قوم ثمود.
    ثم ذكّرهم بتاريخ مصر نفسه. ذكّرهم بيوسف عليه السلام *ين جاء بالبينات، فشك فيه الناس ثم آمنوا به بعد أن كادت النجاة تفلت منهم، ما الغرابة في إرسال الله للرسل؟ إن التاريخ القديم ينبغي أن يكون موضع نظر. لقد انتصرت القلة المؤمنة *ين أصب*ت مؤمنة على الكثرة الكافرة. وس*ق الله تعالى الكافرين. أغرقهم بالطوفان، وصعقهم بالصرخة. أو خسف بهم الأرض. ماذا ننتظر إذن؟ ومن أين نعلم أن وقوفنا وراء الفرعون لن يضيعنا ويهلكنا جميعا؟
    كان *ديث الرجل المؤمن ينطوي على عديد من الت*ذيرات المخيفة. ويبدو أنه أقنع ال*اضرين بأن فكرة قتل موسى فكرة غير مأمونة العواقب. وبالتالي فلا داعي لها.
    إلا أن الطاغية فرعون *اول مرة أخرى الم*اورة والتمويه، كي لا يواجه ال*ق جهرة، ولا يعترف بدعوة الو*دانية التي تهز عرشه. وبعيد عن ا*تمال أن يكون هذا فهم فرعون وإدراكه. فطلب أن يبنى له بناء عظيم، يصعد عليه ليرى إله موسى الذي يدعيه. وبعيدا أن يكون جادا في الب*ث عن إله موسى على هذا الن*و المادي الساذج. وقد بلغ فراعنة مصر من الثقافة *دا يبعد معه هذا التصور. وإنما هو الاستهتار والسخرية من جهة. والتظاهر بالإنصاف والتثبت من جهة أخرى.
    بعد هذا الاستهتار، وهذا الإصرار، ألقى الرجل المؤمن كلمته الأخيرة مدوية صري*ة:
    وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْ*َيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِ*ًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ *ِسَابٍ (40) وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْ*َابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) (غافر)
    أنهى الرجل المؤمن *ديثه بهذه الكلمات الشجاعة. بعدها انصرف. انصرف فت*ول الجالسون من موسى إليه. بدءوا يمكرون للرجل المؤمن. بدءوا يت*دثون عما صدر منه. فتدخلت عناية الله تعالى (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَ*َاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) وأنجته من فرعون وجنوده.

    ابتلاء الله أهل مصر:
    أما *ال مصر في تلك الفترة. فلقد مضى فرعون في تهديده، فقتل الرجال واست*يا النساء. وظل موسى وقومه ي*تملون العذاب، ويرجون فرج الله، ويصبرون على الابتلاء. وظل فرعون في ظلاله وت*دّيه. فتدخلت قوة الله سب*انه وتعالى، وشاء الله تعالى أن يشدد على آل فرعون. ابتلاء لهم وتخويفا، ولكي يصرفهم عن الكيد لموسى ومن آمن معه، وإثباتا لنبوة موسى وصدقه في الوقت نفسه. وهكذا سلط على المصريين أعوام الجدب. أجدبت الأرض وش* النيل ونقصت الثمار وجاع الناس، واشتد الق*ط. لكن آل فرعون لم يدركوا العلاقة بين كفرهم وفسقهم وبين بغيهم وظلمهم لعباد الله. فأخذوا يعللون الأسباب. فعندما تصيبهم *سنة، يقولون إنها من *سن *ظهم وأنهم يست*قونها. وإن أصابتهم سيئة قالوا هي من شؤم موسى ومن معه عليهم، وأنها من ت*ت رأسهم!
    وأخذتهم العزة بالإثم فاعتقدوا أن س*ر موسى هو المسئول عما أصابهم من ق*ط. وصور لهم *مقهم أن هذا الجدب الذي أصاب أرضهم، آية جاء بها موسى ليس*رهم بها، وهي آية لن يؤمنوا بها مهما *دث.
    فشدد الله عليهم لعلهم يرجعون إلى الله، ويطلقون بني إسرائيل ويرسلونهم معه. فأرسل عليهم الطوفان، والجراد، والقمل -وهو السوس- والضفادع، والدم. ولا يذكر القرآن إن كانت جملة وا*دة، أم وا*دة تلو الأخرى. وتذكر بعض الروايات أنها جاءت متتالية و*دة تلو الأخرى. إلا أن المهم هو طلب آل فرعون من موسى أن يدعو لهم ربه لينقذهم من هذا البلاء. وبعدونه في كل مرة أن يرسلوا بني إسرائيل إذا أنجاهم ورفع عنهم هذا البلاء (قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ).
    فكان موسى -عليه السلام- يدعو الله بأن يكشف عنهم العذاب. وما أن ينكشف البلاء *تى ينقضون عهدهم، ويعودون إلى ما كانوا فيه (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ).
    لم يهتد المصريون، ولم يوفوا بعهودهم، بل على العكس من ذلك. خرج فرعون لقومه، وأعلن أنه إله. أليس له ملك مصر، وهذه الأنهار تجري من ت*ته، أعلن أن موسى سا*ر كذاب. ورجل فقير لا يرتدي أسورة وا*دة من الذهب.
    ويعبّر القرآن الكريم عن أمر فرعون وقومه: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ). استخف بعقولهم. واستخف ب*ريتهم. واستخف بمستقبلهم. واستخف بآدميتهم. فأطاعوه. أليست هذه طاعة غريبة. تنم*ي الغرابة *ين نعلم أنهم كانوا قوما فاسقين. إن الفسق يصرف الإنسان عن الالتفات لمستقبله ومصال*ه وأموره، ويورده الهلاك. وذلك ما وقع لقوم فرعون



    ---
    خروج بني إسرائيل من مصر:

    بدا واض*ا أن فرعون لن يؤمن لموسى. ولن يكف عن تعذيبه لبني إسرائيل، ولن يكف عن استخفافه بقومه. هنالك دعا موسى وهارون على فرعون.
    وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْ*َيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ *َتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (89) (يونس)
    لم يكن قد آمن مع موسى فريق من قومه. فانتهى الأمر، وأو*ي إلى موسى أن يخرج من مصر مع بني إسرائيل. وأن يكور ر*يلهم ليلا، بعد تدبير وتنظيم لأمر الر*يل. ونبأه أن فرعون سيتبعهم بجنده؛ وأمره أن يقوم قومه إلى سا*ل الب*ر (وهو في الغالب عند التقاء خليج السويس بمطقة الب*يرات).
    وبلغت الأخبار فرعون أن موسى قد ص*ب قومه وخرج. فأرسل أوامره في مدن المملكة ل*شد جيش عظيم. ليدرك موسى وقومه، ويفسد عليهم تدبيرهم. أعلن فرعون التعبئة العامة. وهذا من شأنه أن يشكل صورة في الأذهان، أن موسى وقومه يشكلون خطرا فعلى فرعون وملكه، فيكف يكون إلها من يخشى فئة صغيرا يعبدون إله آخر؟! لذلك كان لا بد من تهوين الأمر وذلك بتقليل شأن قوم موسى و*جمهم (إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) لكننا نطاردهم لأنهم أغاظونا، وعلى أي *ال، فن*ن *ذرون مستعدون ممسكون بزمام الأمور.
    وقف موسى أمام الب*ر. وبدا جيش الفرعون يقترب، وظهرت أعلامه. وامتلأ قوم موسى بالرعب. كان الموقف *رجا وخطيرا. إن الب*ر أمامهم والعدو ورائهم وليس معهم سفن أو أدوات لعبور الب*ر، كما ليست أمامهم فرصة وا*دة للقتال. إنهم مجموعة من النساء والأطفال والرجال غير المسل*ين. سيذب*هم فرعون عن آخرهم.
    صرخت بعض الأصوات من قوم موسى: سيدركنا فرعون.
    قال موسى: (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ).
    لم يكن يدري موسى كيف ستكون النجاة، لكن قلبه كان ممتلئا بالثقة بربه، واليقين بعونه، والتأكد من النجاة، فالله هو اللي يوجهه ويرعاه. وفي الل*ظة الأخيرة، يجيء الو*ي من الله (فَأَوْ*َيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَ*ْرَ) فضربه، فوقعت المعجزة (فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) وت*ققه المست*يل في منطق الناس، لكن الله إن أراد شيئا قال له كن فيكون.
    ووصل فرعون إلى الب*ر. شاهد هذه المعجزة. شاهد في الب*ر طريقا يابسا يشقه نصفين. فأمر جيشه بالتقدم. و*ين انتهى موسى من عبور الب*ر. وأو*ى الله إلى موسى أن يترك الب*ر على *اله (وَاتْرُكْ الْبَ*ْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ). وكان الله تعالى قد شاء إغراق الفرعون. فما أن صار فرعون وجنوده في منتصف الب*ر، *تى أصدر الله أمره، فانطبقت الأمواج على فرعون وجيشه. وغرق فرعون وجيشه. غرق العناد ونجا الإيمان بالله.
    ولما عاين فرعون الغرق، ولم يعد يملك النجاة (قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) سقطت عنه كل الأقنعة الزائفة، وتضائل، فلم يكتفي بأن يعلن إيمانه، بل والاستسلام أيضا (وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لكن بلا فائدة، فليس الآن وقت اختيار، بعد أن سبق العصيان والاستكبار (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ).
    انتهى وقت التوبة الم*دد لك وهلكت. انتهى الأمر ولا نجاة لك. سينجو جسدك و*ده. لن تأكله الأسماك، ولين ي*مله التيار بعيدا عن الناس، بل سينجو جسدك لتكون آية لمن خلفك.
    فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) (يونس)
    أسدل الستار على طغيان الفرعون. ولفظت الأمواج جثته إلى الشاطئ. بعد ذلك. نزل الستار تماما عن المصريين. لقد خرجوا يتبعون خطا موسى وقومه ويقفون أثرهم. فكان خروجهم هذا هو الأخير. وكان إخراجا لهم من كل ما هم فيه من جنات وعيون وكنوز؛ فلم يعودوا بعدها لهذا النعيم! لا ي*دثنا القرآن الكريم عما فعله من بقى من المصررين في مصر بعد سقوط نظام الفرعون وغرقه مع جيشه. لا ي*دثنا عن ردود فعلهم بعد أن دمر الله ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يشيدون. يسكت السياق القرآني عنهم. ويستبعدهم تماما من التاريخ والأ*داث.

    ---
    الجزء الثالث:

    يتناول *ياة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل بعد غرق فرعون، والأ*داث العظيمة التي *دثت أثناء ضياعهم في ص*راء سيناء.

    نفسية بني إسرائيل الذليلة:
    لقد مات فرعون مصر. غرق أمام عيون المصريين وبني إسرائيل. ورغم موته، فقد ظل أثره باقيا في نفوس المصريين وبني إسرائيل. من الصعب على سنوات القهر الطويلة والذل المكثف أن تمر على نفوس الناس مر الكرام. لقد عوّد فرعون بني إسرائيل الذل لغير الله. هزم أروا*هم وأفسد فطرتهم فعذبوا موسى عذابا شديدا بالعناد والجهل.
    كانت معجزة شق الب*ر لم تزل طرية في أذهانهم، *ين مروا على قوم يعبدون الأصنام. وبدلا من أن يظهروا استيائهم لهذا الظلم للعقل، وي*مدوا الله أن هداهم للإيمان. بدلا من ذلك التفتوا إلى موسى وطلبوا منه أن يجعل لهم إلها يعبدونه مثل هؤلاء الناس. أدركتهم الغيرة لمرأى الأصنام، ورغبوا في مثلها، وعاودهم ال*نين لأيام الشرك القديمة التي عاشوها في ظل فرعون. واستلفتهم موسى إلى جهلهم هذا، وبيّن لهم أن عمل هؤلاء باطل، وأن الله فضل بني إسرائيل على العالمين فكيف يج*د هذا التفضيل ويجعل لهم صنما يعبدونه من دون الله. ثم ذكّرهم بفرعون وعذابه لهم، وكيف أن الله نجاهم منه، فكيف بعد ذلك يشركون بالله مالا يضر ولا ينفع.

    موعد موسى لملاقاة ربه:
    انتهت المر*لة الأولى من مهمة موسى عليه السلام، وهي تخليص بني إسرائيل من *ياة الذل والتعذيب على يد فرعون وجنده. والسير بهم إلى الديار المقدسة. لكن القوم لم يكونوا على استعداد للمهمة الكبرى، مهمة الخلافة في الأرض بدين الله. وكان الاختبار الأول أكبر دليل على ذلك. فما أن رأوا قوما يعبدون صنما، *تى اهتزت عقيدة التو*يد في نفوسهم، وطلبوا من موسى أن يجعل لهم وثنا يعبدوه. فكان لا بد من رسالة مفصلة لتربية هذه الأمة وإعدادها لما هم مقبلون عليه. من أجل هذه الرسالة كانت مواعدة الله لعبده موسى ليلقاه. وكانت هذه المواعدة إعداد لنفس موسى ليتهيأ للموقف الهائل العظيم. فاستخلف في قومه أخاه هارون عليه السلام.
    كانت فترة الإعداد ثلاثين ليلة، أضيف إليها عشر، فبلغت عدتها أربعين ليلة. يروض موسى فيها نفسه على اللقاء الموعود؛ وينعزل فيها عن شواغل الأرض؛ فتصفو رو*ه وتتقوى عزيمته. ويذكر ابن كثير في تفسيره عن أمر هذه الليالي: "فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة؛ قال المفسرون: فصامها موسى -عليه السلام- وطواها، فلما تم الميقات استاك بل*اء شجرة، فأمره الله تعالى أن يكمل العشرة أربعين".
    كان موسى بصومه -أربعين ليلة- يقترب من ربه أكثر. وكان موسى بتكليم الله له يزداد *با في ربه أكثر. فطلب موسى أن يرى الله. ون*ن لا نعرف أي مشاعر كانت تجيش في قلب موسى عليه الصلاة والسلام *ين سأل ربه الرؤية. أ*يانا كثيرة يدفع ال*ب البشري الناس إلى طلب المست*يل. فما بالك بال*ب الإلهي، وهو أصل ال*ب؟ إن عمق إ*ساس موسى بربه، و*به لخالقه، واندفاعه الذي لم يزل يميز شخصيته. دفعه هذا كله إلى أن يسأل الله الرؤية.
    وجاءه رد ال*ق عز وجل: قَالَ لَن تَرَانِي
    ولو أن الله تبارك وتعالى قالها ولم يزد عليها شيئا، لكان هذا عدلا منه سب*انه، غير أن الموقف هنا موقف *ب إلهي من جانب موسى. موقف اندفاع يبرره ال*ب ولهذا أدركت ر*مة الله تعالى موسى. أفهمه أنه لن يراه، لأن أ*دا من الخلق لا يصمد لنور الله. أمره أن ينظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف يراه.
    قال تعالى: (وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا)
    لا يصمد لنور الله أ*د. فدكّ الجبل، وصار مسوّى في الأرض. وسقط موسى مغشيا عليه غائبا عن وعيه. فلما أفاق قال سب*انك تنزهت وتعاليت عن أن ترى بالأبصار وتدرك. وتبت إليك عن تجاوزني للمدى في سؤالك! وأنا أول المؤمنين بك وبعظمتك.
    ثم تتداركه ر*مة ربه من جديد. فيتلقى موسى -عليه السلام- البشرى. بشرى الاصطفاء. مع التوجيه له بالرسالة إلى قومه بعد الخلاص. قال تعالى: (قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ)
    وقف كثير من المفسرين أمام قوله تعالى لموسى: (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي). وأجريت مقارنات بينه وبين غيره من الأنبياء. فقيل إن هذا الاصطفاء كان خاصا بعصره و*ده، ولا ينس*ب على العصر الذي سبقه لوجود إبراهيم فيه، وإبراهيم خير من موسى، أيضا لا ينطبق هذا الاصطفاء على العصر الذي يأتي بعده، لوجود م*مد بن عبد الله فيه، وهو أفضل منهما.
    ون*ب أن نبتعد عن هذا الجدال كله. لا لأننا نعتقد أن كل الأنبياء سواء. إذا إن الله سب*انه وتعالى ي*دثنا أنه فضل بعض النبيين على بعض، ورفع درجات بعضهم على البعض. غير أن هذا التفضيل ينبغي أن يكون منطقة م*رمة علينا، ولنقف ن*ن في موقع الإيمان بجميع الأنبياء لا نتعداه. ولنؤد ن*وهم فروض الا*ترام على *د سواء. لا ينبغي أن يخوض الخاطئون في درجات المعصومين المختارين من الله. ليس من الأدب أن نفاضل ن*ن بين الأنبياء. الأولى أن نؤمن بهم جميعا.
    ثم يبين الله تعالى مضمون الرسالة (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَا*ِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَ*ْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) ففيها كل شيء يختص بموضوع الرسالة وغايتها من بيان الله وشريعته والتوجيهات المطلوبة لإصلا* *ال هذه الأمة وطبيعتها التي أفسدها الذل وطول الأمد!

    ---
    عبادة العجل:
    انتهى ميقات موسى مع ربه تعالى. وعاد غضبان أسفا إلى قومه. فلقد أخبره الله أن قموه قد ضلّوا من بعده. وأن رجلا من بني إسرائيل يدعى السّامري هو من أضلّهم. ان*در موسى من قمة الجبل وهو ي*مل ألوا* التوراة، قلبه يغلي بالغضب والأسف. نستطيع أن نتخيل انفعال موسى وثورته وهو ي*ث خطاه ن*و قومه.
    لم يكد موسى يغادر قومه إلى ميقات ربه. *تى وقعت فتنة السامري. وتفصيل هذه الفتنة أن بني إسرائيل *ين خرجوا من مصر، ص*بوا معهم كثيرا من *لي المصريين وذهبهم، *يث كانت نساء بني إسرائيل قد استعرنه للتزين به، وعندما أمروا بالخروج *ملوه معهم. ثم قذفوها لأنها *رام. فأخذها السامري، وصنع منها تمثالا لعجل. وكان السامري فيما يبدو ن*اتا م*ترفا أو صائغا سابقا، فصنع العجل مجوفا من الداخل، ووضعه في اتجاه الري*، ب*يث يدخل الهواء من فت*ته الخلفية ويخرج من أنفه في*دث صوتا يشبه خوار العجول ال*قيقية.
    ويقال إن سر هذا الخوار، أن السامري كان قد أخذ قبضة من تراب سار عليه جبريل -عليه السلام- *ين نزل إلى الأرض في معجزة شق الب*ر. أي أن السامري أبصر بما لم يبصروا به، فقبض قبضة من أثر الرسول -جبريل عليه السلام- فوضعها مع الذهب وهو يصنع منه العجل. وكان جبريل لا يسير على شيء إلا دبت فيه ال*ياة. فلما أضاف السامري التراب إلى الذهب، ثم صنع منه العجل، خار العجل كالعجول ال*قيقية. وهذه هي القصة التي قالها السامري لموسى عليه السلام.
    بعد ذلك، خرج السامري على بني إسرائيل بما صنعه..
    سألوه: ما هذا يا سامري؟
    قال: هذا إلهكم وإله موسى!
    قالوا: لكن موسى ذهب لميقات إلهه.
    قال السامري: لقد نسي موسى. ذهب للقاء ربه هناك، بينما ربه هنا.
    وهبت موجة من الريا* فدخلت من دبر العجل الذهب وخرجت من فمه فخار العجل. وعبد بنو إسرائيل هذا العجل. لعل دهشة القارئ تثور لهذه الفتنة. كيف يمكن الاستخفاف بعقول القوم لهذه الدرجة؟! لقد وقعت لهم معجزات هائلة. فكيف ينقلبون إلى عبادة الأصنام في ل*ظة؟ تزول هذه الدهشة لو نظرنا في نفسية القوم الذين عبدوا العجل. لقد تربوا في مصر، أيام كانت مصر تعبد الأصنام وتقدس فيما تقدس العجل أبيس، وتربوا على الذل والعبودية، فتغيرت نفوسهم، والتوت فطرتهم، ومرت عليهم معجزات الله فصادفت نفوسا تالفة الأمل. لم يعد هناك ما يمكن أن يصنعه لهم أ*د. إن كلمات الله لم تعدهم إلى ال*ق، كما أن المعجزات ال*سية لم تقنعهم بصدق الكلمات، ظلوا داخل أعماقهم من عبدة الأوثان. كانوا وثنيين مثل سادتهم المصريين القدماء. ولهذا السبب انقلبوا إلى عبادة العجل.
    وفوجئ هارون عليه الصلاة والسلام يوما بأن بني إسرائيل يعبدون عجلا من الذهب. انقسموا إلى قسمين: الأقلية المؤمنة أدركت أن هذا هراء. والأغلبية الكافرة طاوعت *نينها لعبادة الأوثان. ووقف هارون وسط قومه ورا* يعظهم. قال لهم: إنكم فتنتم به، هذه فتنة، استغل السامري جهلكم وفتنكم بعجله. ليس هذا ربكم ولا رب موسى (وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّ*ْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي).
    ورفض عبدة العجل موعظة هارون. لكن هارون -عليه السلام- عاد يعظهم ويذكرهم بمعجزات الله التي أنقذهم بها، وتكريمه ورعايته لهم، فأصموا آذانهم ورفضوا كلماته، واستضعفوه وكادوا يقتلونه، وأنهوا مناقشة الموضوع بتأجيله *تى عودة موسى. كان واض*ا أن هارون أكثر لينا من موسى، لم يكن يهابه القوم للينه وشفقته. وخشي هارون أن يلجأ إلى القوة وي*طم لهم صنمهم الذي يعبدونه فتثور فتنة بين القوم. فآثر هارون تأجيل الموضوع إلى أن ي*ضر موسى.
    كان يعرف أن موسى بشخصيته القوية، يستطيع أن يضع *دا لهذه الفتنة. واستمر القوم يرقصون *ول العجل.
    ان*در موسى عائدا لقومه فسمع صيا* القوم وجلبتهم وهم يرقصون *ول العجل. توقف القوم *ين ظهر موسى وساد صمت. صرخ موسى يقول: (بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ).اتجه موسى ن*و هارون وألقى ألوا* التوراة من يده على الأرض. كان إعصار الغضب داخل موسى يت*كم فيه تماما. مد موسى يديه وأمسك هارون من شعر رأسه وشعر ل*يته وشده ن*وه وهو يرتعش. قال موسى:
    يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) (طه)
    إن موسى يتساءل هل عصى هارون أمره. كيف سكت على هذه الفتنة؟ كيف طاوعهم على البقاء معهم ولم يخرج ويتركهم ويتبرأ منهم؟ كيف سكت عن مقاومتهم أصلا؟ إن الساكت عن الخطأ مشترك فيه بشكل ما. زاد الصمت عمقا بعد جملة موسى الغاضبة. وت*دث هارون إلى موسى. رجا منه أن يترك رأسه ول*يته. ب*ق انتمائهما لأم وا*دة. وهو يذكره بالأم ولا يذكره بالأب ليكون ذلك أدعى لاستثارة مشاعر ال*نو في نفسه.
    أفهمه أن الأمر ليس فيه عصيان له. وليس فيه رضا بموقف عبدة العجل. إنما خشي أن يتركهم ويمضي، فيسأله موسى كيف لم يبق فيهم وقد تركه موسى مسؤولا عنهم، وخشي لو قاومهم بعنف أن يثير بينهم قتالا فيسأله موسى كيف فرق بينهم ولم ينتظر عودته.
    أفهم هارون أخاه موسى برفق ولين أن القوم استضعفوه، وكادوا يقتلونه *ين قاومهم. رجا منه أن يترك رأسه ول*يته *تى لا يشمت به الأعداء، ويستخف به القوم زيادة على استخفافهم به. أفهمه أنه ليس ظالما مثلهم عندما سكت عن ظلمهم.
    أدرك موسى أنه ظلم هارون في غضبه الذي أشعلته غيرته على الله تعالى و*رصه على ال*ق. أدرك أن هارون تصرف أفضل تصرف ممكن في هذه الظروف. ترك رأسه ول*يته واستغفر الله له ولأخيه. التفت موسى لقومه وتساءل بصوت لم يزل يضطرب غضبا: (يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا *َسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَ*ِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي).
    إنه يعنفهم ويوبخهم ويلفتهم بإشارة سريعة إلى غباء ما عملوه. عاد موسى يقول غاضبا أشد الغضب: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْ*َياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ).
    لم تكد الجبال تبتلع أصداء الصوت الغاضب *تى نكس القوم رءوسهم وأدركوا خطأهم. كان افتراؤهم واض*ا على ال*ق الذي جاء به موسى. أبعد كل ما فعله الله تعالى لهم، ينكفئون على عبادة الأصنام؟! أيغيب موسى أربعين يوما ثم يعود ليجدهم يعبدون عجلا من الذهب. أهذا تصرف قوم، عهد الله إليهم بأمانة التو*يد في الأرض؟
    التفت موسى إلى السامري بعد *ديثه القصير مع هارون. لقد أثبت له هارون براءته كمسئول عن قومه في غيبته، كما سكت القوم ونكسوا رءوسهم أمام ثورة موسى، لم يبق إلا المسئول الأول عن الفتنة. لم يبق إلا السامري.
    ت*دث موسى إلى السامري وغضبه لم يهدأ بعد: قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ
    إنه يسأله عن قصته، ويريد أن يعرف منه ما الذي *مله على ما صنع. قال السامري: بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ
    رأيت جبريل وهو يركب فرسه فلا تضع قدمها على شيء إلا دبت فيه ال*ياة. فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ
    أخذت *فنة من التراب الذي سار عليه جبريل وألقيتها على الذهب. فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي
    هذا ما ساقتني نفسي إليه.
    لم يناقش موسى، عليه السلام السامري في ادعائه. إنما قذف في وجهه *كم ال*ق. ليس المهم أن يكون السامري قد رأى جبريل، عليه السلام، فقبض قبضة من أثره. ليس المهم أن يكون خوار العجل بسبب هذا التراب الذي سار عليه فرس جبريل، أو يكون الخوار بسبب ثقب اصطنعه السامري ليخور العجل. المهم في الأمر كله جريمة السامري، وفتنته لقوم موسى، واستغلاله إعجاب القوم الدفين بسادتهم المصريين، وتقليدهم لهم في عبادة الأوثان. هذه هي الجريمة التي *كم فيها موسى عليه السلام: (قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْ*َيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُ*َرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا).
    *كم موسى على السامري بالو*دة في الدنيا. يقول بعض المفسرين: إن موسى دعا على السامري بأن لا يمس أ*دا، معاقبة له على مسه ما لم يكن ينبغي له مسه.
    ونعتقد أن الأمر أخطر كثيرا من هذه النظرة السريعة. إن السامري أراد بفتنته ضلال بني إسرائيل وجمعهم *ول عجله الوثني والسيادة عليهم، وقد جاءت عقوبته مساوية لجرمه، لقد *كم عليه بالنبذ والو*دة. هل مرض السامري مرضا جلديا بشعا صار الناس يأنفون من لمسه أو مجرد الاقتراب منه؟ هل جاءه النبذ من خارج جسده؟ لا نعرف ماذا كان من أمر الأسلوب الذي تمت به و*دة السامري ونبذ المجتمع له. كل ما نعرفه أن موسى أوقع عليه عقوبة رهيبة، كان أهون منها القتل، فقد عاش السامري منبوذا م*تقرا لا يلمس شيئا ولا يمس أ*دا ولا يقترب منه مخلوق. هذه هي عقوبته في الدنيا، ويوم القيامة له عقوبة ثانية، يبهمها السياق لتجيء ظلالها في النفس أخطر وأرعب.
    نهض موسى بعد فراغه من السامري إلى العجل الذهب وألقاه في النار. لم يكتف بصهره أمام عيون القوم المبهوتين، وإنما نسفه في الب*ر نسفا. ت*ول الإله المعبود أمام عيون المفتونين به إلى رماد يتطاير في الب*ر. ارتفع صوت موسى: (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) هذا هو إلهكم، وليس ذلك الصنم الذي لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.
    بعد أن نسف موسى الصنم، وفرغ من الجاني الأصلي، التفت إلى قومه، و*كم في القضية كلها فأفهمهم أنهم ظلموا أنفسهم وترك لعبدة العجل مجالا وا*دا للتوبة. وكان هذا المجال أن يقتل المطيع من بني إسرائي من عصى.
    قال تعالى:
    وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّ*ِيم (54) (البقرة)
    كانت العقوبة التي قررها موسى على عبدة العجل مهولة، وتتفق مع الجرم الأصلي. إن عبادة الأوثان إهدار ل*ياة العقل وص*وته، وهي الص*وة التي تميز الإنسان عن غيره من البهائم والجمادات، وإزاء هذا الإزهاق لص*وة العقل، تجيء العقوبة إزهاقا ل*ياة الجسد نفسه، فليس بعد العقل للإنسان *ياة يتميز بها. ومن نوع الجرم جاءت العقوبة. جاءت قاسية ثم ر*م الله تعالى وتاب. إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّ*ِيم .
    أخيرا. سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ. تأمل تعبير القرآن الكريم الذي يصور الغضب في صورة كائن يقود تصرفات موسى، ابتداء من إلقائه لألوا* التوراة، وشده لل*ية أخيه ورأسه. وانتهاء بنسف العجل في الب*ر، و*كمه بالقتل على من اتخذوه ربا. أخيرا سكت عن موسى الغضب. زايله غضبه في الله، وذلك أرفع أنواع الغضب وأجدرها بالا*ترام والتوقير. التفت موسى إلى مهمته الأصلية *ين زايله غضبه فتذكر أنه ألقى ألوا* التوراة. وعاد موسى يأخذ الألوا* ويعاود دعوته إلى الله.


    ---
    رفع الجبل فوق رؤوس بني إسرائيل:
    عاد موسى إلى هدوئه، واستأنف جهاده في الله، وقرأ ألوا* التوراة على قومه. أمرهم في البداية أن يأخذوا بأ*كامها بقوة وعزم. ومن المدهش أن قومه ساوموه على ال*ق. قالوا: انشر علينا الألوا* فإن كانت أوامرها ونواهيها سهلة قبلناها. فقال موسى: بل اقبلوها بما فيها. فراجعوا مرارا، فأمر الله تعالى ملائكته فرفعت الجبل على رءوسهم *تى صار كأنه غمامة فوقهم، وقيل لهم: إن لم تقبلوها بما فيها سقط ذلك الجبل عليكم، فقبلوا بذلك، وأمروا بالسجود فسجدوا. وضعوا خدودهم على الأرض ورا*وا ينظرون إلى الجبل فوقهم هلعا ورعبا.
    وهكذا أثبت قوم موسى أنهم لا يسلمون وجوههم لله إلا إذا لويت أعناقهم بمعجزة *سية باهرة تلقي الرعب في القلوب وتنثني الأقدام ن*و سجود قاهر يدفع الخوف إليه دفعا. وهكذا يساق الناس بالعصا الإلهية إلى الإيمان. يقع هذا في ظل غياب الوعي والنضج الكافيين لقيام الاقتناع العقلي. ولعلنا هنا نشير مرة أخرى إلى نفسية قوم موسى، وهي المسئول الأول عن عدم اقتناعهم إلا بالقوة ال*سية والمعجزات الباهرة. لقد تربى قوم موسى ونشئوا وسط هوان وذل، أهدرت فيهما إنسانيتهم والتوت فطرته. ولم يعد ممكنا بعد ازدهار الذل في نفوسهم واعتيادهم إياه، لم يعد ممكنا أن يساقوا إلى الخير إلا بالقوة. لقد اعتادوا أن تسيرهم القوة القاهرة لسادتهم القدامى، ولا بد لسيدهم الجديد (وهو الإيمان) من أن يقاسي الأهوال لتسييرهم، وأن يلجأ مضطرا إلى أسلوب القوة لينقذهم من الهلاك. لم تمر جريمة عبادة العجل دون آثار


    ---
    اختيار سبعين رجلا لميقات الله:
    أمر موسى بني إسرائيل أن يستغفروا الله ويتوبوا إليه. اختار منهم سبعين رجلا، الخيّر فالخيّر، وقال انطلقوا إلى الله فتوبوا إليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم. صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. خرج موسى بهؤلاء السبعين المختارين لميقات *دده له الله تعالى. دنا موسى من الجبل. وكلم الله تعالى موسى، وسمع السبعون موسى وهو يكلم ربه.

    ولعل معجزة كهذه المعجزة تكون الأخير، وتكون كافية ل*مل الإيمان إلى القلوب مدى ال*ياة. غير أن السبعين المختارين لم يكتفوا بما استمعوا إليه من المعجزة. إنما طلبوا رؤية الله تعالى. قالوا سمعنا ونريد أن نرى. قالوا لموسى ببساطة: (يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ *َتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً).

    هي مأساة تثير أشد الدهشة. وهي مأساة تشير إلى صلابة القلوب واستمساكها بال*سيات والماديات. كوفئ الطلب المتعنت بعقوبة صاعقة. أخذتهم رجفة مدمرة صعقت أروا*هم وأجسادهم على الفور. ماتوا.

    أدرك موسى ما أ*دثه السبعون المختارون فملأه الأسى وقام يدعو ربه ويناشده أن يعفو عنهم وير*مهم، وألا يؤاخذهم بما فعل السفهاء منهم، وليس طلبهم رؤية الله تبارك وتعالى وهم على ما هم فيه من البشرية الناقصة وقسوة القلب غير سفاهة كبرى. سفاهة لا يكفر عنها إلا الموت.

    قد يطلب النبي رؤية ربه، كما فعل موسى، ورغم انطلاق الطلب من واقع ال*ب العظيم والهوى المسيطر، الذي يبرر بما له من منطق خاص هذا الطلب، رغم هذا كله يعتبر طلب الرؤية تجاوزا لل*دود، يجازى عليه النبي بالصعق، فما بالنا بصدور هذا الطلب من بشر خاطئين، بشر ي*ددون للرؤية مكانا وزمانا، بعد كل ما لقوه من معجزات وآيات..؟ أليس هذا سفاهة كبرى..؟ وهكذا صعق من طلب الرؤية.. ووقف موسى يدعو ربه ويستعطفه ويترضاه.. ي*كي المولى عز وجل دعاء موسى عليه السلام بالتوبة على قومه في سورة الأعراف:

    وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْ*َمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِين (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا *َسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَ*ْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُ*ِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُ*َرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِ*ُونَ (157) (الأعراف)

    هذه كانت كلمات موسى لربه وهو يدعوه ويترضاه. ورضي الله تعالى عنه وغفر لقومه فأ*ياهم بعد موتهم، واستمع المختارون في هذه الل*ظات الباهرة من تاريخ ال*ياة إلى النبوءة بمجيء م*مد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

    سنلا*ظ طريقة الربط بين ال*اضر والماضي في الآية، إن الله تعالى يتجاوز زمن مخاطبة الرسول في الآيات إلى زمنين سابقين، هما نزول التوراة ونزول الإنجيل، ليقرر أنه (تعالى) بشّر بم*مد في هذين الكتابين الكريمين. نعتقد أن إيراد هذه البشرى جاء يوم ص*ب موسى من قومه سبعين رجلا هم شيوخ بني إسرائيل وأفضل من فيهم، لميقات ربه. في هذا اليوم الخطير بمعجزاته الكبرى، تم إيراد البشرى بآخر أنبياء الله عز وجل.

    يقول ابن كثير في كتابه قصص الأنبياء، نقلا عن قتادة:
    إن موسى قال لربه: يا رب إني أجد في الألوا* أمة هي خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. رب اجعلهم أمتي.
    قال: تلك أمة أ*مد.
    قال: ربي إني أجد في الألوا* أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها. وكان من قبلهم يقرءون كتابهم نظرا، *تى إذا رفعوها لم ي*فظوا شيئا ولم يعرفوه. وإن الله أعطاهم من ال*فظ شيئا لم يعطه أ*دا من الأمم. رب اجعلهم أمتي.
    قال: تلك أمة أ*مد.
    قال: رب إني أجد في الألوا* أمة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر، ويقاتلون فضول الضلالة. فاجعلهم أمتي.
    قال: تلك أمة أ*مد.
    قال: رب إني أجد في الألوا* أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم، ويؤجرون عليها، وكان من قبلهم من الأمم إذا تصدق أ*دهم بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها نارا فأكلتها، وإن ردت عليه تركت فتأكلها السباع والطير. وإن الله أخذ صدقاتهم من غنيهم لفقيرهم. رب فاجعلهم أمتي.
    قال: تلك أمة أ*مد.
    قال: رب فإني أجد في الألوا* أمة إذا هم أ*دهم ب*سنة ثم عملها كتبت له عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. رب اجعلهم أمتي.
    قال: تلك أمة أ*مد.





    الى التكمله :10 قصص الانبياء

  10. #10
    Date d'inscription
    mars 2011
    Localisation
    مصر
    Messages
    2 800
    Pouvoir de réputation
    9


    تكمله:10 قصص الانبياء





    تكمله:10 قصص الانبياء



    نزول المن والسلوى:
    سار موسى بقومه في سيناء. وهي ص*راء ليس فيها شجر يقي من الشمس، وليس فيها طعام ولا ماء. وأدركتهم ر*مة الله فساق إليهم المن والسلوى وظللهم الغمام. والمن مادة يميل طعمها إلى ال*لاوة وتفرزها بعض أشجار الفاكهة. وساق الله إليهم السلوى، وهو نوع من أنواع الطيور يقال إنه (السمان). و*ين اشتد بهم الظمأ إلى الماء، وسيناء مكان يخلو من الماء، ضرب لهم موسى بعصاه ال*جر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا من المياه. وكان بنو إسرائيل ينقسمون إلى 12 سبطا. فأرسل الله المياه لكل مجموعة. ورغم هذا الإكرام وال*فاوة، ت*ركت في النفوس التواءاتها المريضة. وا*تج قوم موسى بأنهم سئموا من هذا الطعام، واشتاقت نفوسهم إلى البصل والثوم والفول والعدس، وكانت هذه الأطعمة أطعمة مصرية تقليدية. وهكذا سأل بنو إسرائيل نبيهم موسى أن يدعو الله ليخرج لهم من الأرض هذه الأطعمة.

    وعاد موسى يستلفتهم إلى ظلمهم لأنفسهم، و*نينهم لأيام هوانهم في مصر، وكيف أنهم يتبطرون على خير الطعام وأكرمه، ويريدون بدله أدنى الطعام وأسوأه.

    السير باتجاه بيت المقدس:
    سار موسى بقومه في اتجاه البيت المقدس. أمر موسى قومه بدخولها وقتال من فيها والاستيلاء عليها. وها قد جاء امت*انهم الأخير. بعد كل ما وقع لهم من المعجزات والآيات والخوارق. جاء دورهم لي*اربوا -بوصفهم مؤمنين- قوما من عبدة الأصنام.

    رفض قوم موسى دخول الأراضي المقدسة. و*دثهم موسى عن نعمة الله عليهم. كيف جعل فيهم أنبياء، وجعلهم ملوكا يرثون ملك فرعون، وآتاهم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَ*َدًا مِّن الْعَالَمِينَ.

    وكان رد قومه عليه أنهم يخافون من القتال. قالوا: إن فيها قوما جبارين، ولن يدخلوا الأرض المقدسة *تى يخرج منها هؤلاء.

    وانضم لموسى وهارون اثنان من القوم. تقول كتب القدماء إنهم خرجوا في ستمائة ألف. لم يجد موسى من بينهم غير رجلين على استعداد للقتال. ورا* هذان الرجلان ي*اولان إقناع القوم بدخول الأرض والقتال. قالا: إن مجرد دخولهم من الباب سيجعل لهم النصر. ولكن بني إسرائيل جميعا كانوا يتدثرون بالجبن ويرتعشون في أعماقهم.

    مرة أخرى تعاودهم طبيعتهم التي عاودتهم قبل ذلك *ين رأوا قوما يعكفون على أصنامهم. فسدت فطرتهم، وانهزموا من الداخل، واعتادوا الذل، فلم يعد في استطاعتهم أن ي*اربوا. وإن بقي في استطاعتهم أن يتوق*وا على نبي الله موسى وربه. وقال قوم موسى له كلمتهم الشهيرة: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) هكذا بصرا*ة وبلا التواء.

    أدرك موسى أن قومه ما عادوا يصل*ون لشيء. مات الفرعون ولكن آثاره في النفوس باقية ي*تاج شفاؤها لفترة طويلة. عاد موسى إلى ربه ي*دثه أنه لا يملك إلا نفسه وأخاه. دعا موسى على قومه أن يفرق الله بينه وبينهم.

    وأصدر الله تعالى *كمه على هذا الجيل الذي فسدت فطرته من بني إسرائيل. كان ال*كم هو التيه أربعين عاما. *تى يموت هذا الجيل أو يصل إلى الشيخوخة. ويولد بدلا منه جيل آخر، جيل لم يهزمه أ*د من الداخل، ويستطيع ساعتها أن يقاتل وأن ينتصر.


    ---
    قصة البقرة:

    بدأت أيام التيه. بدأ السير في دائرة مغلقة. تنتهي من *يث تبدأ، وتبدأ من *يث تنتهي، بدأ السير إلى غير مقصد. ليلا ونهارا وصبا*ا ومساء. دخلوا البرية عند سيناء.

    مكث موسى في قومه يدعوهم إلى الله. ويبدو أن نفوسهم كانت ملتوية بشكل لا تخطئه عين الملا*ظة، وتبدو لجاجتهم وعنادهم فيما يعرف بقصة البقرة. فإن الموضوع لم يكن يقتضي كل هذه المفاوضات بينهم وبين موسى، كما أنه لم يكن يستوجب كل هذا التعنت. وأصل قصة البقرة أن قتيلا ثريا وجد يوما في بني إسرائيل، واختصم أهله ولم يعرفوا قاتله، و*ين أعياهم الأمر لجئوا لموسى ليلجأ لربه. ولجأ موسى لربه فأمره أن يأمر قومه أن يذب*وا بقرة. وكان المفروض هنا أن يذب* القوم أول بقرة تصادفهم. غير أنهم بدءوا مفاوضتهم باللجاجة. اتهموا موسى بأنه يسخر منهم ويتخذهم هزوا، واستعاذ موسى بالله أن يكون من الجاهلين ويسخر منهم. أفهمهم أن *ل القضية يكمن في ذب* بقرة.

    إن الأمر هنا أمر معجزة، لا علاقة لها بالمألوف في ال*ياة، أو المعتاد بين الناس. ليست هناك علاقة بين ذب* البقرة ومعرفة القاتل في الجريمة الغامضة التي وقعت، لكن متى كانت الأسباب المنطقية هي التي ت*كم *ياة بني إسرائيل؟ إن المعجزات الخارقة هي القانون السائد في *ياتهم، وليس استمرارها في *ادث البقرة أمرا يو*ي بالعجب أو يثير الدهشة.

    لكن بني إسرائيل هم بنو إسرائيل. مجرد التعامل معهم عنت. تستوي في ذلك الأمور الدنيوية المعتادة، وشؤون العقيدة المهمة. لا بد أن يعاني من يتصدى لأمر من أمور بني إسرائيل. وهكذا يعاني موسى من إيذائهم له واتهامه بالسخرية منهم، ثم ينبئهم أنه جاد فيما ي*دثهم به، ويعاود أمره أن يذب*وا بقرة، وتعود الطبيعة المراوغة لبني إسرائيل إلى الظهور، تعود اللجاجة والالتواء، فيتساءلون: أهي بقرة عادية كما عهدنا من هذا الجنس من ال*يوان؟ أم أنها خلق تفرد بمزية، فليدع موسى ربه ليبين ما هي. ويدعو موسى ربه فيزداد التشديد عليهم، وت*دد البقرة أكثر من ذي قبل، بأنها بقرة وسط. ليست بقرة مسنة، وليست بقرة فتية. بقرة متوسطة.

    إلى هنا كان ينبغي أن ينتهي الأمر، غير أن المفاوضات لم تزل مستمرة، ومراوغة بني إسرائيل لم تزل هي التي ت*كم مائدة المفاوضات. ما هو لون البقرة؟ لماذا يدعو موسى ربه ليسأله عن لون هذا البقرة؟ لا يراعون مقتضيات الأدب والوقار اللازمين في *ق الله تعالى و*ق نبيه الكريم، وكيف أنهم ينبغي أن يخجلوا من تكليف موسى بهذا الاتصال المتكرر *ول موضوع بسيط لا يست*ق كل هذه اللجاجة والمراوغة. ويسأل موسى ربه ثم ي*دثهم عن لون البقرة المطلوبة. فيقول أنها بقرة صفراء، فاقع لونها تسر الناظرين.

    وهكذا *ددت البقرة بأنها صفراء، ورغم وضو* الأمر، فقد عادوا إلى اللجاجة والمراوغة. فشدد الله عليهم كما شددوا على نبيه وآذوه. عادوا يسألون موسى أن يدعو الله ليبين ما هي، فإن البقر تشابه عليهم، و*دثهم موسى عن بقرة ليست معدة ل*رث ولا لسقي، سلمت من العيوب، صفراء لا شية فيها، بمعنى خالصة الصفرة. انتهت بهم اللجاجة إلى التشديد. وبدءوا ب*ثهم عن بقرة بهذه الصفات الخاصة. أخيرا وجدوها عند يتيم فاشتروها وذب*وها.

    وأمسك موسى جزء من البقرة (وقيل لسانها) وضرب به القتيل فنهض من موته. سأله موسى عن قاتله ف*دثهم عنه (وقيل أشار إلى القاتل فقط من غير أن يت*دث) ثم عاد إلى الموت. وشاهد بنو إسرائيل معجزة إ*ياء الموتى أمام أعينهم، استمعوا بآذانهم إلى اسم القاتل. انكشف غموض القضية التي *يرتهم زمنا طال بسبب لجاجتهم وتعنتهم.

    نود أن نستلفت انتباه القارئ إلى سوء أدب القوم مع نبيهم وربهم، ولعل السياق القرآني يورد ذلك عن طريق تكرارهم لكلمة "ربك" التي يخاطبون بها موسى. وكان الأولى بهم أن يقولوا لموسى، تأدبا، لو كان لا بد أن يقولوا: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ) ادع لنا ربنا. أما أن يقولوا له: فكأنهم يقصرون ربوبية الله تعالى على موسى. ويخرجون أنفسهم من شرف العبودية لله. انظر إلى الآيات كيف تو*ي بهذا كله. ثم تأمل سخرية السياق منهم لمجرد إيراده لقولهم: (الآنَ جِئْتَ بِالْ*َقِّ) بعد أن أرهقوا نبيهم ذهابا وجيئة بينهم وبين الله عز وجل، بعد أن أرهقوا نبيهم بسؤاله عن صفة البقرة ولونها وسنها وعلاماتها المميزة، بعد تعنتهم وتشديد الله عليهم، يقولون لنبيهم *ين جاءهم بما يندر وجوده ويندر العثور عليه في البقر عادة.

    ساعتها قالوا له: "الآنَ جِئْتَ بِالْ*َقِّ". كأنه كان يلعب قبلها معهم، ولم يكن ما جاء هو ال*ق من أول كلمة لآخر كلمة. ثم انظر إلى ظلال السياق وما تشي به من ظلمهم: (فَذَبَ*ُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ) ألا تو*ي لك ظلال الآيات بتعنتهم وتسويفهم ومماراتهم ولجاجتهم في ال*ق؟ هذه اللو*ة الرائعة تشي بموقف بني إسرائيل على موائد المفاوضات. هي صورتهم على مائدة المفاوضات مع نبيهم الكريم موسى.

    إيذاء بني إسرائيل لموسى:

    قاسى موسى من قومه أشد المقاساة، وعانى عناء عظيما، وا*تمل في تبليغهم رسالته ما ا*تمل في سبيل الله. ولعل مشكلة موسى الأساسية أنه بعث إلى قوم طال عليهم العهد بالهوان والذل، وطال بقاؤهم في جو يخلو من ال*رية، وطال مكثهم وسط عبادة الأصنام، ولقد نج*ت المؤثرات العديدة المختلفة في أن تخلق هذه النفسية الملتوية الخائرة المهزومة التي لا تصل* لشيء. إلا أن تعذب أنبيائها ومصل*يها.

    وقد عذب بنو إسرائيل موسى عذابا نستطيع -ن*ن أبناء هذا الزمان- أن ندرك وقعه على نفس موسى النقية ال*ساسة الكريمة. ولم يقتصر العذاب على العصيان والغباء واللجاجة والجهل وعبادة الأوثان، وإنما تعدى الأمر إلى إيذاء موسى في شخصه.

    قال تعالى:

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) (الأ*زاب)

    ون*ن لا تعرف كنه هذا الإيذاء، ونستبعد رواية بعض العلماء التي يقولون فيها أن موسى كان رجلا *ييا يستتر دائما ولا ي*ب أن يرى أ*د من الناس جسده فاتهمه اليهود بأنه مصاب بمرض جلدي أو برص، فأراد الله أن يبرئه مما قالوا، فذهب يست*م يوما ووضع ثيابه على *جر، ثم خرج فإذا ال*جر يجري بثيابه وموسى يجري وراء ال*جر عاريا *تى شاهده بنو إسرائيل عاريا وليس بجلده عيب. نستبعد هذه القصة لتفاهتها، فإنها إلى جوار خرافة جري ال*جر بملابسه، لا تعطي موسى *قه من التوقير، وهي تتنافى مع عصمته كنبي.

    ونعتقد أن اليهود آذوا موسى إيذاء نفسيا، هذا هو الإيذاء الذي يدمي النفوس الكريمة ويجر*ها *قا، ولا نعرف كيف كان هذا الإيذاء، ولكننا نستطيع تخيل المدى العبقري الآثم الذي يستطيع بلوغه بنو إسرائيل في إيذائهم لموسى.


    فترة التيه:

    ولعل أعظم إيذاء لموسى، كان رفض بني إسرائيل القتال من أجل نشر عقيدة التو*يد في الأرض، أو على أقل تقدير، السما* لهذه العقيدة أن تستقر على الأرض في مكان، وتأمن على نفسها، وتمارس تعبدها في هدوء. لقد رفض بنو إسرائيل القتال. وقالوا لموسى كلمتهم الشهيرة: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ).

    وبهذه النفسية *كم الله عليهم بالتيه. وكان ال*كم ي*دد أربعين عاما كاملة، وقد مكث بنو إسرائيل في التيه أربعين سنة، *تى فني جيل بأكمله. فنى الجيل الخائر المهزوم من الداخل، وولد في ضياع الشتات وقسوة التيه جيل جديد. جيل لم يتربى وسط مناخ وثني، ولم يشل رو*ه انعدام ال*رية. جيل لم ينهزم من الداخل، جيل لم يعد يستطيع الأبناء فيه أن يفهموا لماذا يطوف الآباء هكذا بغير هدف في تيه لا يبدو له أول ولا تستبين له نهاية. إلا خشية من لقاء العدو. جيل صار مستعدا لدفع ثمن آدميته وكرامته من دمائه. جيل لا يقول لموسى (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ).

    جيل آخر يتبنى قيم الشجاعة العسكرية، كجزء مهم من نسيج أي ديانة من ديانات التو*يد. أخيرا ولد هذا الجيل وسط تيه الأربعين عاما.

    ولقد قدر لموسى. زيادة في معاناته ورفعا لدرجته عند الله تعالى. قدر له ألا تكت*ل عيناه بمرأى هذا الجيل. فقد مات موسى عليه الصلاة والسلام قبل أن يدخل بنو إسرائيل الأرض التي كتب الله عليهم دخولها.

    وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم *ين كان قومه يؤذونه في الله: قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر.

    مات هارون قبل موسى بزمن قصير. واقترب أجل موسى، عليه الصلاة والسلام. وكان لم يزل في التيه. قال يدعو ربه: رب أدنني إلى الأرض المقدسة رمية *جر.

    أ*ب أن يموت قريبا من الأرض التي هاجر إليها. و*ث قومه عليها. ولكنه لم يستطع، ومات في التيه. ودفن عند كثيب أ*مر *دث عنه آخر أنبياء الله في الأرض *ين أسرى به. قال م*مد صلى الله عليه وسلم: لما أسري بي مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأ*مر.

    تروي الأساطير عديدا من ال*كايات *ول موت موسى، وت*كي أنه ضرب ملك الموت *ين جاء يستل رو*ه، وأمثال هذه الروايات كثيرة. لكننا لا ن*ب أن نخوض في هذه الروايات *تى لا ننجرف وراء الإسرائيليات التي دخلت بعض كتب التفسير.

    مات موسى -عليه الصلاة والسلام- في التيه، وتولى يوشع بن نون أمر بني إسرائيل.

    ---
    أدرك موسى أنه تسرع.. وعاد جبريل، عليه السلام، يقول له: إن لله عبدا بمجمع الب*رين هو أعلم منك.تاقت نفس موسى الكريمة إلى زيادة العلم، وانعقدت نيته على الر*يل لمصا*بة هذا العبد العالم.. سأل كيف السبيل إليه.. فأمر أن ير*ل، وأن ي*مل معه *وتا في مكتل، أي سمكة في سلة.. وفي هذا المكان الذي ترتد فيه ال*ياة لهذا ال*وت ويتسرب في الب*ر، سيجد العبد العالم.. انطلق موسى -طالب العلم- ومعه فتاه.. وقد *مل الفتى *وتا في سلة.. انطلقا ب*ثا عن العبد الصال* العالم.. وليست لديهم أي علامة على المكان الذي يوجد فيه إلا معجزة ارتداد ال*ياة للسمكة القابعة في السلة وتسربها إلى الب*ر.ويظهر عزم موسى -عليه السلام- على العثور على هذا العبد العالم ولو اضطره الأمر إلى أن يسير أ*قابا وأ*قابا. قيل أن ال*قب عام، وقيل ثمانون عاما. على أية *ال فهو تعبير عن التصميم، لا عن المدة على وجه الت*ديد.وصل الاثنان إلى صخرة جوار الب*ر.. رقد موسى واستسلم للنعاس، وبقي الفتى ساهرا.. وألقت الريا* إ*دى الأمواج على الشاطئ فأصاب ال*وت رذاذ فدبت فيه ال*ياة وقفز إلى الب*ر.. (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَ*ْرِ سَرَبًا).. وكان تسرب ال*وت إلى الب*ر علامة أعلم الله بها موسى لت*ديد مكان لقائه بالرجل ال*كيم الذي جاء موسى يتعلم منه.نهض موسى من نومه فلم يلا*ظ أن ال*وت تسرب إلى الب*ر.. ونسي فتاه الذي يص*به أن ي*دثه عما وقع لل*وت.. وسار موسى مع فتاه بقية يومهما وليلتهما وقد نسيا *وتهما.. ثم تذكر موسى غداءه و*ل عليه التعب.. (قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا).. ولمع في ذهن الفتى ما وقع.ساعتئذ تذكر الفتى كيف تسرب ال*وت إلى الب*ر هناك.. وأخبر موسى بما وقع، واعتذر إليه بأن الشيطان أنساه أن يذكر له ما وقع، رغم غرابة ما وقع، فقد اتخذ ال*وت (سَبِيلَهُ فِي الْبَ*ْرِ عَجَبًا).. كان أمرا عجيبا ما رآه يوشع بن نون، لقد رأى ال*وت يشق الماء فيترك علامة وكأنه طير يتلوى على الرمال.سعد موسى من مروق ال*وت إلى الب*ر و(قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ).. هذا ما كنا نريده.. إن تسرب ال*وت ي*دد المكان الذي سنلتقي فيه بالرجل العالم.. ويرتد موسى وفتاه يقصان أثرهما عائدين.. انظر إلى بداية القصة، وكيف تجيء غامضة أشد الغموض، مبهمة أعظم الإبهام.أخيرا وصل موسى إلى المكان الذي تسرب منه ال*وت.. وصلا إلى الصخرة التي ناما عندها، وتسرب عندها ال*وت من السلة إلى الب*ر.. وهناك وجدا رجلا.يقول البخاري إن موسى وفتاه وجدا الخضر مسجى بثوبه.. وقد جعل طرفه ت*ت رجليه وطرف ت*ت رأسه.
    فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضك سلام..؟ من أنت؟
    قال موسى: أنا موسى.
    قال الخضر: موسى بني إسرائيل.. عليك السلام يا نبي إسرائيل.
    قال موسى: وما أدراك بي..؟
    قال الخضر: الذي أدراك بي ودلك علي.. ماذا تريد يا موسى..؟
    قال موسى ملاطفا مبالغا في التوقير: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا).
    قال الخضر: أما يكفيك أن التوراة بيديك.. وأن الو*ي يأتيك..؟ يا موسى (إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا).
    نريد أن نتوقف ل*ظة لنلا*ظ الفرق بين سؤال موسى الملاطف المغالي في الأدب.. ورد الخضر ال*اسم، الذي يفهم موسى أن علمه لا ينبغي لموسى أن يعرفه، كما أن علم موسى هو علم لا يعرفه الخضر.. يقول المفسرون إن الخضر قال لموسى: إن علمي أنت تجهله.. ولن تطيق عليه صبرا، لأن الظواهر التي ست*كم بها على علمي لن تشفي قلبك ولن تعطيك تفسيرا، وربما رأيت في تصرفاتي ما لا تفهم له سببا أو تدري له علة.. وإذن لن تصبر على علمي يا موسى.ا*تمل موسى كلمات الصد القاسية وعاد يرجوه أن يسم* له بمصا*بته والتعلم منه.. وقال له موسى فيما قال إنه سيجده إن شاء الله صابرا ولا يعصي له أمرا.تأمل كيف يتواضع كليم الله ويؤكد للعبد المدثر بالخفاء أنه لن يعصي له أمرا.
    قال الخضر لموسى -عليهما السلام- إن هناك شرطا يشترطه لقبول أن يصا*به موسى ويتعلم منه هو ألا يسأله عن شيء *تى ي*دثه هو عنه.. فوافق موسى على الشرط وانطلقا..انطلق موسى مع الخضر يمشيان على سا*ل الب*ر.. مرت سفينة، فطلب الخضر وموسى من أص*ابها أن ي*ملوهما، وعرف أص*اب السفينة الخضر ف*ملوه و*ملوا موسى بدون أجر، إكراما للخضر، وفوجئ موسى *ين رست السفينة وغادرها أص*ابها وركابها.. فوجئ بأن الخضر يتخلف فيها، لم يكد أص*ابها يبتعدون *تى بدأ الخضر يخرق السفينة.. اقتلع لو*ا من ألوا*ها وألقاه في الب*ر ف*ملته الأمواج بعيدا.فاستنكر موسى فعلة الخضر. لقد *ملنا أص*اب السفينة بغير أجر.. أكرمونا.. وها هو ذا يخرق سفينتهم ويفسدها.. كان التصرف من وجهة نظر موسى معيبا.. وغلبت طبيعة موسى المندفعة عليه، كما *ركته غيرته على ال*ق، فاندفع ي*دث أستاذه ومعلمه وقد نسي شرطه الذي اشترطه عليه: (قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا).وهنا يلفت العبد الرباني نظر موسى إلى عبث م*اولة التعليم منه، لأنه لن يستطيع الصبر عليه (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)، ويعتذر موسى بالنسيان ويرجوه ألا يؤاخذه وألا يرهقه (قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا).سارا معا.. فمرا على *ديقة يلعب فيها الصبيان.. *تى إذا تعبوا من اللعب انت*ى كل وا*د منهم نا*ية واستسلم للنعاس.. فوجئ موسى بأن العبد الرباني يقتل غلاما.. ويثور موسى سائلا عن الجريمة التي ارتكبها هذا الصبي ليقتله هكذا.. يعاود العبد الرباني تذكيره بأنه أفهمه أنه لن يستطيع الصبر عليه (قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا).. ويعتذر موسى بأنه نسي ولن يعاود الأسئلة وإذا سأله مرة أخرى سيكون من *قه أن يفارقه (قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَا*ِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا).ومضى موسى مع الخضر.. فدخلا قرية بخيلة.. لا يعرف موسى لماذا ذهبا إلى القرية، ولا يعرف لماذا يبيتان فيها، نفذ ما معهما من الطعام، فاستطعما أهل القرية فأبوا أن يضيفوهما.. وجاء عليهما المساء، وأوى الاثنان إلى خلاء فيه جدار يريد أن ينقض.. جدار يتهاوى ويكاد يهم بالسقوط.. وفوجئ موسى بأن الرجل العابد ينهض ليقضي الليل كله في إصلا* الجدار وبنائه من جديد.. ويندهش موسى من تصرف رفيقه ومعلمه، إن القرية بخيلة، لا يست*ق من فيها هذا العمل المجاني (قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا).. انتهى الأمر بهذه العبارة.. قال عبد الله لموسى: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ).لقد *ذر العبد الرباني موسى من مغبة السؤال. وجاء دور التفسير الآن..إن كل تصرفات العبد الرباني التي أثارت موسى و*يرته لم يكن *ين فعلها تصدر عن أمره.. كان ينفذ إرادة عليا.. وكانت لهذه الإرادة العليا *كمتها الخافية، وكانت التصرفات تشي بالقسوة الظاهرة، بينما تخفي *قيقتها ر*مة *انية.. وهكذا تخفي الكوارث أ*يانا في الدنيا جوهر الر*مة، وترتدي النعم ثياب المصائب وتجيد التنكر، وهكذا يتناقض ظاهر الأمر وباطنه، ولا يعلم موسى، رغم علمه الهائل غير قطرة من علم العبد الرباني، ولا يعلم العبد الرباني من علم الله إلا بمقدار ما يأخذ العصفور الذي يبلل منقاره في الب*ر، من ماء الب*ر..كشف العبد الرباني لموسى شيئين في الوقت نفسه.. كشف له أن علمه -أي علم موسى- م*دود.. كما كشف له أن كثيرا من المصائب التي تقع على الأرض تخفي في ردائها الأسود الكئيب ر*مة عظمى.إن أص*اب السفينة سيعتبرون خرق سفينتهم مصيبة جاءتهم، بينما هي نعمة تتخفى في زي المصيبة.. نعمة لن تكشف النقاب عن وجهها إلا بعد أن تنشب ال*رب ويصادر الملك كل السفن الموجودة غصبا، ثم يفلت هذه السفينة التالفة المعيبة.. وبذلك يبقى مصدر رزق الأسرة عندهم كما هو، فلا يموتون جوعا.
    أيضا سيعتبر والد الطفل المقتول وأمه أن كارثة قد دهمتهما لقتل و*يدهما الصغير البريء.. غير أن موته يمثل بالنسبة لهما ر*مة عظمى، فإن الله سيعطيهما بدلا منه غلاما يرعاهما في شيخوختهما ولا يرهقهما طغيانا وكفرا كالغلام المقتول.
    وهكذا تختفي النعمة في ثياب الم*نة، وترتدي الر*مة قناع الكارثة، ويختلف ظاهر الأشياء عن باطنها *تى لي*تج نبي الله موسى إلى تصرف يجري أمامه، ثم يستلفته عبد من عباد الله إلى *كمة التصرف ومغزاه ور*مة الله الكلية التي تخفي نفسها وراء أقنعة عديدة.أما الجدار الذي أتعب نفسه بإقامته، من غير أن يطلب أجرا من أهل القرية، كان يخبئ ت*ته كنزا لغلامين يتيمين ضعيفين في المدينة. ولو ترك الجدار ينقض لظهر من ت*ته الكنز فلم يستطع الصغيران أن يدفعا عنه.. ولما كان أبوهما صال*ا فقد نفعهما الله بصلا*ه في طفولتهما وضعفهما، فأراد أن يكبرا ويشتد عودهما ويستخرجا كنزهما وهما قادران على *مايته.ثم ينفض الرجل يده من الأمر. فهي ر*مة الله التي اقتضت هذا التصرف. وهو أمر الله لا أمره. فقد أطلعه على الغيب في هذه المسألة وفيما قبلها، ووجهه إلى التصرف فيها وفق ما أطلعه عليه من غيبه.
    واختفى هذا العبد الصال*.. لقد مضى في المجهول كما خرج من المجهول..

    والآن من يكون صا*ب هذا العلم إذن..؟ أهو ولي أم نبي..؟

    يرى كثير من الصوفية أن هذا العبد الرباني ولي من أولياء الله تعالى، أطلعه الله على جزء من علمه اللدني بغير أسباب انتقال العلم المعروفة.. ويرى بعض العلماء أن هذا العبد الصال* كان نبيا.. وي*تج أص*اب هذا الرأي بأن سياق القصة يدل على نبوته من وجوه:

    1. أ*دها
    قوله تعالى:

    فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَ*ْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (الكهف)

    2. والثاني
    قول موسى له:

    قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُ*ِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ *َتَّى أُ*ْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) (الكهف)

    فلو كان وليا ولم يكن نبي، لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة، ولم يرد على موسى هذا الرد. ولو أنه كان غير نبي، لكان هذا معناه أنه ليس معصوما، ولم يكن هناك دافع لموسى، وهو النبي العظيم، وصا*ب العصمة، أن يلتمس علما من ولي غير واجب العصمة.

    3. والثالث
    أن الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام بو*ي من الله وأمر منه.. وهذا دليل مستقل على نبوته، وبرهان ظاهر على عصمته، لأن الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرد ما يلقى في خلده، لأن خاطره ليس بواجب العصمة.. إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق.. وإذن ففي إقدام الخضر على قتل الغلام دليل نبوته.

    4. والرابع :
    قول الخضر لموسى
    رَ*ْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي

    يعني أن ما فعلته لم أفعله من تلقاء نفسي، بل أمر أمرت به من الله وأو*ي إلي فيه.

    فرأى العلماء أن الخضر نبيا، أما العباد والصوفية رأوا أنه وليا من أولياء الله.

    ومن كلمات الخضر التي أوردها الصوفية عنه.. قول وهب بن منبه: قال الخضر: يا موسى إن الناس معذبون في الدنيا على قدر همومهم بها. وقول بشر بن ال*ارث ال*افي.. قال موسى للخضر: أوصني.. قال الخضر: يسر الله عليك طاعته.

    ون*ن نميل إلى اعتباره نبيا لعلمه اللدني، غير أننا لا نجد نصا في سياق القرآن على نبوته، ولا نجد نصا مانعا من اعتباره وليا آتاه الله بعض علمه اللدني.. ولعل هذا الغموض *ول شخصه الكريم جاء متعمدا، ليخدم الهدف الأصلي للقصة.. ولسوف نلزم مكاننا فلا نتعداه ونختصم *ول نبوته أو ولايته.. وإن أوردناه في سياق أنبياء الله، لكونه معلما لموسى.. وأستاذا له فترة من الزمن.



    ---
    قارون وقوم موسى:

    يروي لنا القرآن قصة قارون، وهو من قوم موسى. لكن القرآن لا ي*دد زمن القصة ولا مكانها. فهل وقعت هذه القصة وبنو إسرائيل وموسى في مصر قبل الخروج؟ أو وقعت بعد الخروج في *ياة موسى؟ أم وقعت في بني إسرائيل من بعد موسى؟ وبعيدا عن الروايات المختلفة، نورد القصة كما ذكرها القرآن الكريم.

    ي*دثنا الله عن كنوز قارون فيقول سب*انه وتعالى إن مفاتي* ال*جرات التي تضم الكنوز، كان يصعب *ملها على مجموعة من الرجال الأشداء. ولو عرفنا عن مفاتي* الكنوز هذه ال*ال، فكيف كانت الكنوز ذاتها؟! لكن قارون بغى على قومه بعد أن آتاه الله الثراء. ولا يذكر القرآن فيم كان البغي، ليدعه مجهلا يشمل شتى الصور. فربما بغى عليهم بظلمهم وغصبهم أرضهم وأشياءهم. وربما بغى عليهم ب*رمانهم *قهم في ذلك المال. *ق الفقراء في أموال الأغنياء. وربما بغى عليهم بغير هذه الأسباب.

    ويبدو أن العقلاء من قومه نص*وه بالقصد والاعتدال، وهو المنهج السليم. فهم ي*ذروه من الفر* الذي يؤدي بصا*به إلى نسيان من هو المنعم بهذا المال، وينص*ونه بالتمتع بالمال في الدنيا، من غير أن ينسى الآخرة، فعليه أن يعمل لآخرته بهذا المال. ويذكرونه بأن هذا المال هبة من الله وإ*سان، فعليه أن ي*سن ويتصدق من هذا المال، *تى يرد الإ*سان بالإ*سان. وي*ذرونه من الفساد في الأرض، بالبغي، والظلم، وال*سد، والبغضاء، وإنفاق المال في غير وجهه، أو إمساكه عما يجب أن يكون فيه. فالله لا ي*ب المفسدين.

    فكان رد قارون جملة وا*د ت*مل شتى معاني الفساد (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي). لقد أنساه غروره مصدر هذه النعمة و*كمتها، وفتنه المال وأعماه الثراء. فلم يستمع قارون لنداء قومه، ولم يشعر بنعمة ربه.

    وخرج قارون ذات يوم على قومه، بكامل زينته، فطارت قلوب بعض القوم، وتمنوا أن لديهم مثل ما أوتي قارون، وأ*سوا أنه في نعمة كبيرة. فرد عليهم من سمعهم من أهل العلم والإيمان: ويلكم أيها المخدوعون، ا*ذروا الفتنة، واتقوا الله، واعلموا أن ثواب الله خير من هذه الزينة، وما عند الله خير مما عند قارون.

    وعندما تبلغ فتنة الزينة ذروتها، وتتهافت أمامها النفوس وتتهاوى، تتدخل القدرة الإلهية لتضع *دا للفتنة، وتر*م الناس الضعاف من إغراءها، وت*طم الغرور والكبرياء، فيجيء العقاب *اسما (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) هكذا في لم*ة خاطفة ابتلعته الأرض وابتلعت داره. وذهب ضعيفا عاجزا، لا ينصره أ*د، ولا ينتصر بجاه أو مال.

    وبدأ الناس يت*دثون إلى بعضهم البعض في دهشة وعجب واعتبار. فقال الذين كانوا يتمنون أن عندهم مال قارون وسلطانه وزينته و*ظه في الدنيا: *قا إن الله تعالى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويوسع عليهم، أو يقبض ذلك، فال*مد لله أن منّ علينا ف*فظنا من الخسف والعذاب الأليم. إنا تبنا إليك سب*انك، فلك ال*مد في الأولى والآخرة.



    هارون عليه السلام

    نبذة:

    أخو موسى ورفيقه في دعوة فرعون إلى الإيمان بالله لأنه كان فصي*ا ومت*دثا، استخلفه موسى على قومه عندما ذهب للقاء الله فوق جبل الطور، ولكن *دثت فتنة السامري الذي *ول بني إسرائيل إلى عبادة عجل من الذهب له خوار ، فدعاهم هارون إلى الرجوع لعبادة الله بدلا من العجل ولكنهم استكبروا فلما رجع موسى ووجد ما آل إليه قومه عاتب هارون عتابا شديدا.

    سيرته:

    لا يذكر الكثير عن سيرة هارون عليه السلام. إلا أن المعلوم هو أن الله أيد موسى بأخيه هارون في دعوته فلقد كان هارون عليه السلام أفص* لسانا. وورد موقف موسى عليه السلام من أخيه *ين استخلفه على بني إسرائيل وذهب للقاء ربه، فعبدت بنو إسرائيل العجل الذي صنعه السامري. القصة مذكورة بتفاصيلها في قصة موسى عليه السلام.







    الى التكمله :11 قصص الانبياء

    ---

Page 1 sur 3 123 DernièreDernière

Thread Information

Users Browsing this Thread

There are currently 1 users browsing this thread. (0 members and 1 guests)

Discussions similaires

  1. اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا م*مد
    By ماتريكسxهزيم in forum التعارف والصداقة
    Réponses: 3
    Dernier message: 24/04/2009, 23h46
  2. قصة سيدنا م*مد صلى الله عليه وسلم ( كاملة ) منقول
    By مودى الجن in forum المنتدى الإسلامي
    Réponses: 7
    Dernier message: 12/07/2008, 16h55
  3. Réponses: 3
    Dernier message: 20/06/2007, 16h46
  4. Réponses: 11
    Dernier message: 10/12/2006, 19h09
  5. Réponses: 35
    Dernier message: 23/07/2006, 21h03

Règles de messages

  • You may not post new threads
  • You may not post replies
  • You may not post attachments
  • You may not edit your posts
  •